في زمنٍ كانت فيه النيران تلتهم المدن السورية، والبراميل المتفجرة والقصف والاعتقالات والإرهاب تدفع العائلات إلى الهرب بأطفالها نحو المجهول، كان على الحدود الشمالية للأردن مشهد إنساني يستحق أن نتوقف عنده طويلاً: أناس يفرون من الموت، بعضهم يصل ليلاً، وبعضهم لا يحمل سوى ملابس أطفاله، وآخرون يصلون وقد فقدوا أفراداً من أسرهم، ولا يعرفون إن كانوا سيجدون سقفاً يحميهم من برد الصحراء.
هناك، لم يكن الأردن يتعامل مع السوريين باعتبارهم أرقاماً في تقارير سياسية، بل باعتبارهم أهلا وأشقاء وضيوفاً مرحباً بهم، ويحتاجون إلى الأمان والحماية.وهنا تحديداً، تستحق مواقف جلالة الملك عبدالله الثاني، ودور القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، أن تُروى للأجيال، لا من باب المديح المجرد، بل من باب توثيق ما فعلته الدولة الأردنية في واحدة من أثقل الأزمات الإنسانية التي شهدتها المنطقة.البداية كانت موقفاً سياسياً وإنسانياً واضحاً: حماية الأردن، من دون التخلي عن واجبه تجاه الأشقاء.في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية بتاريخ 12 أيلول 2012، تحدث جلالة الملك عن نحو 200 ألف سوري كانوا قد فروا إلى الأردن منذ بداية الأزمة، من رجال ونساء وأطفال، وكثير منهم وصلوا في ساعات الليل وفي مجموعات عائلية صغيرة. وأوضح أن الأردن استقبلهم على أساس إنساني، مع الإقرار بأن إجراء التدقيق الأمني على كل شخص لحظة عبوره لم يكن ممكناً في ظل تلك الظروف.ولم يخفِ الملك حجم التحدي؛ فقد أكد أن واجبه الأول هو حماية الأردن والأردنيين، لكنه تحدث في الوقت نفسه عن مسؤولية المجتمع الدولي في توفير الاحتياجات الأساسية للعائلات التي لجأت إلى المملكة.هذا هو جوهر الموقف الأردني: لا مساومة على أمن الوطن، ولا تنكر للواجب الإنساني تجاه من يفرون من الحرب.المصدر: الديوان الملكي الهاشمي، مقابلة جلالة الملك مع وكالة الصحافة الفرنسية، 12 أيلول 2012:https://rhc.jo/en/media/view/his-majesty-king-abdullah-iis-interview-agence-france-presse-afpوعندما اشتدت الأزمة، لم يكن التوجيه الملكي أن يغلق الأردن أبوابه أمام الأشقاء، بل أن يحمي حدوده ويستمر في استقبالهم.في تموز 2012، نُقل عن جلالة الملك، في سياق الحديث عن تأمين الحدود الشمالية، تأكيده أن واجب الدولة حماية مواطنيها، وفي الوقت نفسه فتح أبوابها أمام الأشقاء السوريين. وقد تزامن ذلك مع تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود لمنع التسلل والتهديدات التي يمكن أن تستهدف الأردن.إن هذا التفصيل مهم جداً؛ فالجيش الذي يحمي الحدود لا يفقد دوره الإنساني، بل تزداد مسؤوليته عندما تجتمع أمامه مهمتان بالغتا الصعوبة: منع التهديدات الأمنية، ومساعدة المدنيين الذين يهربون من القتال.وفي 11 أيلول 2012، نقلت وكالة الأنباء الأردنية «بترا» عن محافظ المفرق والمنسق العام لشؤون اللاجئين السوريين تأكيدهما أن أبواب الأردن، بتوجيه من جلالة الملك، مفتوحة أمام الأشقاء السوريين والعرب، وأن من يرغب في العودة إلى بلاده تُؤمَّن له عودة كريمة.المصدر:https://petra.gov.jo/ar/news/محافظ-المفرق-ينفي-ترحيل-عائلات-سورية-إلى-بلادهاثم جاء دور الجيش العربي، حيث تحولت المسؤولية الإنسانية إلى عمل ميداني على الأرض.لم يكن استقبال اللاجئين مجرد السماح لهم بالعبور، بل كان يتطلب نقلهم من مناطق الخطر، والتحقق من هوياتهم، وتأمين الحماية والرعاية الطبية، وإيصالهم إلى مراكز الاستقبال ومخيمات الإيواء، والتعامل مع موجات بشرية كانت تصل بأعداد كبيرة وفي ظروف قاسية.وتوثق الاستخبارات العسكرية والتاريخ العسكري المنشور للقوات المسلحة الأردنية الدور الإنساني للجيش في التعامل مع تدفق اللاجئين السوريين منذ اندلاع الأزمة في 15 آذار 2011، بما في ذلك النقل والحماية على مدار الساعة، وتقديم الرعاية الصحية للمحتاجين، وإنشاء نظام لمتابعة بيانات اللاجئين والتحقق منها، وتدريب الكوادر العسكرية على التعامل معهم بصورة إنسانية وحضارية.كما أنشأت القوات المسلحة مستشفى ميدانياً في المنطقة الحرة لتقديم الرعاية الطبية، ونقل الحالات الحرجة إلى المستشفيات الأردنية.هذه ليست عبارات إنشائية؛ إنها مهام موثقة في المرجع التاريخي الرسمي للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، تحت عنوان دور الجيش في التعامل مع اللجوء السوري.وعندما أصبح الإيواء ضرورة عاجلة، تحركت الحكومة بتوجيهات الملك.في 9 تموز 2012، قرر مجلس الوزراء الموافقة على إنشاء مخيمات طوارئ للاجئين السوريين في المملكة، وتنظيم استقبالهم وتقديم الخدمات الإنسانية لهم، وتكليف الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية بالإشراف على إدارة المخيم، بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.وبعد ذلك بأسابيع، افتُتح مخيم الزعتري في المفرق في تموز 2012، بعد تجهيز سريع استجابةً لتزايد أعداد الفارين من سوريا، والضغط الكبير على مراكز العبور الحدودية.وتوثق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن آلاف السوريين كانوا يقيمون في مراكز عبور مكتظة قرب الحدود، وأن أعداداً إضافية كانت تصل كل ليلة. وفي تلك الظروف، كان توفير الخيام والمياه والغذاء والرعاية الصحية والنظافة الأساسية ضرورة لحماية حياة الناس وكرامتهم.المصادر:وكالة الأنباء الأردنية، قرار إنشاء مخيمات الطوارئ، 9 تموز 2012:https://petra.gov.jo/wp-contart/x/index.php/ar/news/مجلس-الوزراء-يقرر-الموافقة-على-انشاء-مخيمات-الطواريء-للاجئين-السوريين-في-المملكةالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، افتتاح مخيم الزعتري، 30 تموز 2012:https://www.unhcr.org/news/stories/jordan-opens-new-camp-syrian-refugees-amid-funding-gapsولم ينته الواجب عند الخيمة؛ فالإنسان يحتاج إلى العلاج والتعليم والغذاء وسبل العيش الكريم.في المقابلة الملكية نفسها في أيلول 2012، أشار جلالة الملك إلى أن أكثر من 30 ألف مواطن سوري تلقوا العلاج في المستشفيات والمراكز الصحية الأردنية، وأن أكثر من 25 ألف طفل سوري في سن ما قبل المدرسة تلقوا التطعيمات، فيما التحق قرابة 17 ألف طالب سوري بالمدارس.تلك أرقام تعود إلى مرحلة مبكرة من الأزمة، لكنها تكشف طبيعة الاستجابة الأردنية آنذاك: لم يكن المطلوب إنقاذ الإنسان من الرصاص ثم تركه يواجه المرض والجهل والجوع، بل كان المطلوب أن يجد في الأردن الحد الممكن من مقومات الحياة.ومع اتساع اللجوء، تحملت المجتمعات الأردنية في المدن والقرى، إلى جانب مؤسسات الدولة، أعباء إضافية في السكن والمياه والصحة والتعليم والبنية التحتية وفرص العمل. ولم يكن ذلك عبئاً نظرياً؛ بل مسَّ حياة الأردنيين أنفسهم، في بلد محدود الموارد يواجه أصلاً تحديات اقتصادية ومائية كبيرة، وربيعا عربيا قاسيا. لكن الإنصاف يقتضي قول الحقيقة كاملة.لم تكن الحدود مفتوحة بلا قيود في كل الأوقات، ولم يكن التعامل مع كل الفئات والظروف متطابقاً. فقد تغيرت الإجراءات مع تطور التهديدات الأمنية، وشهدت الحدود لاحقاً إغلاقات وتشديدات، خصوصاً بعد هجوم الركبان عام 2016. كما وثقت منظمات حقوقية قيوداً على دخول بعض الفئات الفارة من سوريا خاصة من ذوي الخلفيات الإرهابية.ولا ينتقص ذكر هذه الوقائع من حقيقة الاستجابة الإنسانية الأردنية الواسعة للسوريين؛ بل يجعل روايتنا أكثر صدقاً وقوة. فالدولة التي واجهت حرباً طويلة على حدودها كانت مطالبة بحماية مواطنيها، وفي الوقت نفسه بالتعامل مع مأساة إنسانية تجاوزت قدرتها الاقتصادية والاستيعابية.المصادر:القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، المرجع التاريخي المتعلق بالتعامل مع اللجوء السوري:https://www.jaf.mil.jo/Assets/File/hestoryPdfEn.pdfهيومن رايتس ووتش، تقرير «غير مرحب بهم: معاملة الأردن للفلسطينيين الفارين من سوريا»، 7 آب 2014:https://www.hrw.org/ar/report/2014/08/07/256578والدرس الأهم الذي يجب أن يبقى في ذاكرة الأردنيين والسوريين معاً، هو أن الجيش العربي لم يكن في تلك السنوات مجرد قوة تحرس خطاً حدودياً؛ لقد كان أيضاً جزءاً من منظومة حماية إنسانية واسعة، عملت إلى جانب الحكومة والأجهزة المختصة والمنظمات الدولية والمجتمعات المحلية.أما نسبة كل إجراء ميداني إلى أمر ملكي حرفي محدد، فلا بد أن تستند إلى نص الأمر أو الوثيقة التي تثبته. وما تثبته المصادر المنشورة بوضوح هو أن استقبال السوريين وتخفيف معاناتهم جرى بتوجيهات ملكية معلنة، وأن الحكومة اتخذت قرارات للإيواء وتقديم الخدمات، وأن القوات المسلحة أدت دوراً ميدانياً موثقاً في الحماية والنقل والرعاية الصحية.وهذا وحده سجل يستحق أن يُروى بإنصاف.لقد جاء السوريون إلى الأردن في لحظات انكسار وهلع لا ينساه التاريخ، فوجد كثير منهم بيوتاً أردنية فتحت أبوابها، ومدارس استقبلت أبناءهم، ومستشفيات عالجت مرضاهم، ومخيمات وفرت لهم مأوى، وجنوداً تعاملوا مع معاناتهم بوصفها مسؤولية إنسانية لا مجرد إجراء حدودي.ولا ينبغي أن ننسى أن وراء كل رقم طفلاً خائفاً، وأماً تبحث عن الأمان، وأباً يريد أن يحمي أسرته، وعائلة لم تختر اللجوء، بل دفعتها الحرب إليه.هنالك أطفال سوريون تولدوا في الأردن ونشأوا ودرسوا في الأردن، وهنالك أطفالا وأسر وعائلات هربوا من وابل الرصاص وجنون البراميل المتفجرة وملاحقة الجماعات الارهابية لهم، وعندما وضعوا أول خطوة على الحدود الشمالية للأردن وجدوا جيشا يحميهم ويأويهم ويضمد جراحهم، وملكا هاشميا فتح مملكته لهم، على الرغم من قساوة الربيع العربي سياسيا وإقتصاديا آنذاك. هذا ما يجب أن نتذكره حين نتحدث عن موقف عبدالله الثاني وجيشه تجاه السوريين: أمن الأردن أولاً، والكرامة الإنسانية ليست أمراً ثانوياً، والأخوة لا تسقطها الحرب، ولا يجوز أن تتحول معاناة اللاجئين إلى مادة للنسيان أو المزايدة.حفظ الله الأردن، وجيشه العربي، وقيادته، وأدام الأمن والاستقرار على الشعبين الأردني والسوري، حتى يتمكن الأشقاء السوريون من العودة الآمنة والطوعية والكريمة إلى وطنهم، ويستعيد الأردن وسوريا معاً فرص السلام والتنمية والحياة الكريمة.هذا ما أمر به عبدالله الثاني جيشه بحق السوريين
مدار الساعة ـ