أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عقد على دراسة الشباب في مواجهة الفكر المتطرف: الفراغ ذاته والسؤال ذاته


الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق

عقد على دراسة الشباب في مواجهة الفكر المتطرف: الفراغ ذاته والسؤال ذاته

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

في آذار عام 2016، أعلن صندوق دعم البحث العلمي، الذي كنت أديره آنذاك، نتائج دراسة "الشباب في مواجهة الفكر المتطرف" التي أُنجزت مع نهاية عام 2015، في مؤتمر عُقد برعاية رئيس الوزراء آنذاك. وبعد عشر سنوات جاءت حادثة كنيسة قرية حمود لتذكّرنا بأن الحوادث التي تقع في مكان صغير ليست صغيرة في معناها، وأن واقعة واحدة قد تختصر أسئلة دولة كاملة: أي مجتمع نريد أن نكون؟ وما الذي ينبغي أن نتعلمه من الألم حتى لا يتحول الحزن إلى طقس يتكرر وتبقى الأسباب خارج المساءلة؟ فتتبدل الأسماء والرايات والمنصات ويبقى سؤال "لماذا" معلقاً، وكأننا نبدأ من الصفر كل مرة.

كانت الدراسة قراءة استشرافية في لحظة إقليمية مضطربة، تملأ فيها صور التنظيمات المتطرفة الشاشات وتتقدم الأسئلة الأمنية على ما سواها. لكنها سألت لماذا ينجذب الشباب إلى هذا الفكر وكيف نحصّنهم قبل أن يصلوا إليه، بدل أن تسأل كيف نحاصر المتطرفين. وبنت تحليلها على أربعة محاور متكاملة: التربوي والثقافي، والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، والإعلامي، والديني، ولكل منها خطة تنفيذية. وخلصت إلى أن الجهل والفراغ الفكري أبرز أسباب التطرف، وأن العلاج يتطلب إجراءات من مؤسسات الدولة جميعاً كل حسب اختصاصه، فنقلت التفسير من الفرد "المنحرف" إلى البيئة التي أنتجت الفراغ، ومن الحل الأمني الطارئ إلى الاستثمار المعرفي طويل الأمد.

والفراغ المقصود ليس غياب المعلومات، فشباب اليوم يعيشون أكثر لحظات التاريخ ازدحاماً بها، بل غياب الأدوات التي تحوّلها إلى معرفة، كالتفكير النقدي والتمييز بين الدليل والانطباع وتقبّل تعدد وجهات النظر. وهو أيضاً غياب المعنى، أي الإجابة عن أسئلة الهوية والانتماء والغاية. وحين لا تقدم الأسرة ولا المدرسة والجامعة ولا دور العبادة ولا الإعلام إجابات مقنعة، تتقدم الجماعات المتطرفة برواية بسيطة وحاسمة تمنح البعض يقيناً جاهزاً وتحتضنه وقضية تمنح حياته وزناً. وهي لا تنتصر بقوة الحجة، بل لأن خصومها لم يحضروا في تلك المساحة، فالفراغ كالطبيعة لا يبقى فارغاً.

وتتكامل محاور الدراسة في رسم هذه الصورة. فالتعليم القائم على التلقين يخرّج طالباً ينتظر من يخبره بما يفكر فيه، فيسهل استسلامه لخطاب يعده بإجابات قاطعة، أما من تعلّم أن السؤال فضيلة وأن الحقيقة تُبنى بالدليل فقد اكتسب مناعة لا توفرها الرقابة. وتقوّي الثقافة هذه المناعة بالقراءة والمسرح والرياضة وغيرها، إذ تتيح للشاب أن يعيش حياة غير حياته وأن يتعاطف مع المختلف عنه، وبغيابها يُترك الشباب نهباً للبدائل المتاحة. وتغذّي البطالة وضيق الفرص إحباطاً يبحث عمّن يفسّره، والخطاب المتطرف ماهر في تحويل الشعور بالظلم إلى سردية جاهزة تحدد العدو وتعد بالخلاص. ويشكّل الإعلام ما يراه الشاب عن العالم ونفسه، فإن اكتفى بالتخويف أو غاب عن اهتماماته ترك الساحة لخصومه. أما الدين فالتطرف يتخفى وراءه وليس الدين سببه، والفرق بينهما هو الفرق بين الفهم الشامل المتوازن للنص والفهم الانتقائي الذي يقتطعه من سياقه ومقاصده. والمطلوب خطاب أعمق يُحسن الإصغاء للأسئلة الصعبة ويُبرز مقاصد الشريعة في حفظ النفس والعقل والكرامة، فالمؤسسة التي تستقبل السائل بصدر رحب تحمي الشباب أكثر من تلك التي تزجره.

لكن الظاهرة تغيّرت بعد عقد كامل، فلم يعد كافياً أن نعيد قراءة الدراسة كما كُتبت. كان التطرف آنذاك ينتمي غالباً إلى تنظيمات واضحة المعالم والرايات، أما اليوم فنحن أمام بيئة سائلة يستقي فيها الشاب أفكاره من مقاطع ومنتديات وغرف دردشة وألعاب فيديو دون أن ينتمي بالضرورة إلى أي تنظيم، وتعمّق المنصات وخوارزمياتها الانغلاق داخل فقاعات متجانسة حتى يتشكل الاستقطاب في أسابيع داخل فضاء لا يراه الأهل ولا المعلم. وهذا لا ينقض تشخيص الدراسة بل يؤكده، فالفراغ صار أوسع وأسرع استغلالاً، وأدوات سدّه يجب أن تكون بسرعة أدوات ملئه.

كما أن الشهادة لا تحصّن صاحبها. فقد نُقل عن دراسة "سوسيولوجيا التطرف والإرهاب في الأردن" الصادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية عام 2018 أن عدد المرتبطين بالتيارات المتطرفة يتراوح تقديرياً بين 8000 و12000 شخص انذاك، وأن 38 % منهم بين 23 و29 سنة، و47.6 % منهم دون 22 سنة، أي إن النسبة الأكبر في سن الدراسة. فما يحمي الشباب هو التفكير النقدي والانتماء الواعي لا سنوات الدراسة وحدها. ويعزز ذلك ما رصده معهد غرب آسيا وشمال أفريقيا ميدانياً من غموض في تعريف التطرف لدى الشباب وفهم مشوّش لخطره وعلاقته بالإرهاب، فنحن لا نواجه شباباً يتجاهلون الخطر، بل شباباً لم نمنحهم بعد لغة دقيقة لفهمه.

وتدخل هنا فكرتان لم تكونا حاضرتين بقوة عام 2015. الأولى مقاربة الأمن الإنساني التي ترى الأمن الاقتصادي والسياسي والشخصي أبعاداً أساسية للوقاية، وجهود المنع أهدافاً طويلة الأجل. والثانية النظر إلى التطرف بوصفه قضية نفسية واجتماعية تهيّئ فيها العزلة وأزمة الهوية والشعور بالإهانة الأرضية قبل أن تصل الفكرة، ولذلك يعمل المرشد النفسي وخطوط الدعم والأنشطة التي تبني الانتماء وقاية لا تقل أثراً عن المنهاج. أما الذكاء الاصطناعي فله وجهان: يتيح إنتاج دعاية مقنعة بكلفة زهيدة وتخصيصها لكل فرد وتزييف الصور والأصوات، وقد يتحول روبوت محادثة غير منضبط إلى محاور يجامل أفكار الشاب ويعمّقها بدل أن يختبرها. ويمكن في المقابل توظيفه في الكشف المبكر عن المحتوى المحرِّض بشرط ضمانات صارمة للخصوصية وحرية التعبير، لأن المراقبة المفرطة تكسر الثقة التي تقوم عليها الوقاية. والاستعداد لذلك يبدأ بتعليم الشباب والأسر كيف يشككون بذكاء فيما يرون، وبالتحصين المسبق بتعريف الشاب بأساليب التلاعب قبل أن يتعرض لها.

وقد شهد الأردن منذ إعلان نتائج الدراسة أحداثاً متكررة، منها ما وقع في قلعة الكرك وإربد والسلط ومخيم البقعة، وآخرها في بلدة حمود، إضافة إلى أحداث كثيرة أحبطتها الأجهزة الأمنية قبل تنفيذها. ومن واجب الدولة والمجتمع أن يحافظا على صورتهما الحقيقية: مجتمع له تاريخه وتنوعه وروابطه، لا يُحمَّل أبناؤه جميعاً تبعات فعل ارتكبه أفراد لا يعرف أحد من ذويهم عن ارتباطاتهم، فالتعميم ظلم وتجاهل المؤشرات خطر. ولذلك يجب التمييز بين ثلاثة مستويات: الجريمة نفسها وتحتاج إلى تحقيق جنائي دقيق وعدالة واضحة، والبيئة التي قد تغذّي التطرف وتحتاج إلى بحث في مصادر التحريض والتجنيد إن أثبتت الأدلة وجودها، والآثار السياسية والاجتماعية وتحتاج إلى سياسة وطنية تمنع تحول الجريمة إلى منطلق للريبة أو الانتقام أو الانقسام. ولا يمكن قراءة ما جرى بمعزل عن الإقليم، لكن لا يجوز تفسير كل حادثة داخلية بوصفها امتداداً لمؤامرة خارجية. فقد أظهرت تجارب العراق وسوريا ولبنان أن التماسك الاجتماعي شرط يمنع العنف من التمدد، وحين يضعف يصبح الخوف مادة قابلة للاستثمار السياسي والأيديولوجي.

فلماذا نبحث عن الأسباب من جديد بعد عشر سنوات؟ في تقديري، وهو اجتهاد شخصي، وليس حكماً على جهة بعينها، تعود المسألة إلى خمسة أسباب متداخلة: الفجوة بين التوصية والتنفيذ حيث تنتهي الدراسات بمؤتمر وتقرير ثم تدخل الأدراج، وغياب الاستمرارية فمواجهة التطرف عمل طويل النفس بينما تتغير الحكومات والأولويات بوتيرة أسرع، والتعامل مع الظاهرة كحدث لا كعملية فتتصدر الاهتمام بعد كل حادث ثم تتراجع بينما يعمل الفكر المتطرف في صمت، وتغيّر أدوات الاستقطاب أسرع من أدوات المواجهة، وقلة إشراك الشباب أنفسهم، ومن لا يُسمع صوته لن يثق بالحلول المقدمة له. وقد أقرّ الأردن خطة وطنية لتفعيل قرار مجلس الأمن حول الشباب والسلام والأمن للأعوام 2025 - 2027 تؤكد الشراكة معهم، وهو تحول مهم يجدر أن يصبح ممارسة، فالفرق بين الإشراك والشراكة هو الفرق بين مجلس استشاري بلا صلاحيات ومختبر شبابي يصمم المحتوى المضاد ويقيّم البرامج ويشارك في القرار.

وأرى، في اجتهاد استشرافي، لا تنبؤ، أننا أمام ثلاثة مسارات محتملة. الأول أن نواصل الاستجابة المتقطعة فتبقى الأسئلة نفسها بعد عقد آخر. والثاني أن ننزلق إلى مقاربة أمنية تقنية خالصة قوامها الحجب والمراقبة، فنكسب بعض الوقت ونخسر الثقة ويتحول الفكر المتطرف إلى فضاءات أضيق وأكثر عتمة. والثالث أن نبني نموذج المناعة المجتمعية الذي يجمع التعليم النقدي والفرص الاقتصادية والدعم النفسي والخطاب الديني والفكري والإعلام الجاذب والشراكة الحقيقية مع الشباب. وهو أبطأ وأصعب، لكنه الوحيد المنسجم مع ما قالته الدراسة: أن الجهل والفراغ هما الجذر، وأن الجذر لا يُقتلع بالقوة.

ويقتضي هذا المسار برنامجاً وطنياً يحدد لكل جهة دورها ومواعيدها ومؤشرات نجاحها. فعلى الجهات الرسمية كشف النتائج التي تسمح بها مقتضيات العدالة وتقديم معلومات دقيقة في الوقت المناسب حتى لا يملأ الفراغ المعلوماتي من يروّج الشائعات، وعلى المؤسسات المختصة مراجعة آليات تبادل المعلومات وتقييم المخاطر المحيطة بدور العبادة، وترجمة النتائج إلى إجراءات وجدول زمني، مع الموازنة بين الأمن والحقوق. وفي التعليم يدخل التفكير النقدي والتربية الإعلامية في المناهج ويُدرَّب المعلمون عليها، وتنتقل الصفوف من التلقين إلى الحوار، وتُنشأ في كل جامعة وحدة للمرونة الرقمية تجمع التربية الإعلامية والدعم النفسي، وتُعزَّز التربية على المواطنة ويُرسَّخ أن التعدد ليس تهديداً للهوية الوطنية، وأن حرية المعتقد وكرامة الإنسان لا تقبلان المساومة. وفي الإعلام يُنتج محتوى جذاب على منصات الشباب ويُعتمد ميثاق مهني يتحقق من الأخبار ولا يعيد إنتاج خطاب الكراهية ويحفظ كرامة الضحايا. وفي المجال الديني يُؤهَّل الأئمة للتواصل مع الشباب وتُفكَّك مفاهيم كالجهاد والحاكمية والتكفير بأعمال علمية مبسطة. وفي المجتمع والاقتصاد يُربط التعليم بسوق العمل وتُطلق برامج للمناطق الهشة وأخرى لإعادة دمج المتأثرين بالفكر المتطرف تقوم على التأهيل الفعلي لا الإقصاء الدائم. وتقود المجالس المحلية حواراً مجتمعياً حقيقياً بآلية لرصد التوترات مبكراً لا تتحول إلى وصم أو مراقبة تعسفية، ويتابع مرصد وطني اتجاهات الاستقطاب الرقمي، وتُوضع مبادئ أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ويُتعاون مع الدول العربية بدل أن تبدأ كل دولة من حيث بدأت الأخرى. ويجمع ذلك مرجعية وطنية دائمة تضم الوزارات المعنية وتصدر تقريراً سنوياً علنياً بما نُفذ وما تأخر، فالمشكلة ليست غياب الشعارات بل الفجوة بين إعلان الالتزام وأثره في حياة الناس.

وهنا يبرز السؤال: أي أردن ينبغي أن نخرج به من حادثة بلدة حمود؟ ربما كان أخطر ما نفعله بعد هذه الفاجعة أن نطمئن إلى أنفسنا أكثر مما ينبغي، أو أن نخاف على مجتمعنا أكثر مما تسمح به الوقائع. فالثقة المفرطة تمنعنا من رؤية المخاطر، والخوف المفرط يجعلنا نرى التهديد في كل اختلاف. وبينهما تقع الحكمة: أن نثق بوحدة المجتمع دون أن نتخلى عن اليقظة، وأن نواجه التطرف دون أن ننتج تطرفاً مضاداً، وأن نحمي الدولة دون أن نسمح للخوف بأن يبدل طبيعتها. ولا ينبغي أن تبقى بلدة حمود عنواناً للرصاص والدموع، بل مناسبة لمراجعة جادة لمنظومة الوقاية والاستجابة، ولتحويل التعايش من قيمة نفاخر بها إلى قدرة وطنية تتجدد كل يوم، بمواجهة الحقيقة كاملة مهما كانت مؤلمة.

لقد اختصرت الدراسة الطريق في جملة: "الجهل والفراغ الفكري". وبعد عقد تغيّرت المنصات والأدوات وبقي الجذر. فالدولة لا تُبنى على حسن النوايا وحده ولا تُحمى بالقوة وحدها، بل بمؤسسات تتعلم، وتعليم يبني العقل، وخطاب عام يرفض التحريض، وعدالة لا تتأخر، وإيمان واعٍ لا يخاف من الأسئلة، ومجتمع لا يسمح للقاتل بأن يحدد شكل علاقاته أو نظرته إلى جاره. وإعادة البحث عن الأسباب ليست عيباً إذا كانت تعميقاً لما سبق، وإنما المشكلة أن نعيد البحث مرة بعد مرة ثم لا نبدأ بالتنفيذ. والوفاء للضحايا لا يكتمل بالدموع وحدها، بل بأن يصبح ألمهم سبباً في حماية الآخرين، والوفاء للأردن لا يكون بالقول إن وحدتنا عصية على الاختراق، بل بالعمل الذي يجعلها كذلك. فالأوطان لا تُقاس بقدرتها على تجاوز الفواجع، بل بقدرتها على ألّا تدع الفاجعة تمر دون أن تتعلم منها. وليكن حزننا بداية لمسؤولية أكبر لا نهاية لسؤال مؤجل، فالسؤال لم يعد ماذا نعرف، بل ماذا نفعل بما نعرف.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ