أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الدينار.. ثقة تصنعها السياسة النقدية


سلامة الدرعاوي

الدينار.. ثقة تصنعها السياسة النقدية

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

وصول الأردن إلى المرتبة الثالثة عالميًا في مؤشر «سلامة النقد»، بنتيجة 9.59 من 10، ليس مجرد تقدم في تصنيف دولي، بل يعكس قدرة البنك المركزي الأردني على إدارة أدوات السياسة النقدية ضمن منظومة متكاملة تستهدف حماية الاستقرار النقدي وتعزيز الثقة بالدينار. فالنتيجة التي أظهرها تقرير معهد فريزر لعام 2026، المستند إلى بيانات عام 2024، تؤكد أهمية النهج المؤسسي الذي اتبعه البنك المركزي في إدارة سعر الصرف والفائدة والسيولة والاحتياطيات، وهي أدوات تكتسب أهمية مضاعفة في اقتصاد صغير ومفتوح يتأثر بالتطورات الإقليمية والدولية.

وتكمن قوة التجربة الأردنية في استمرارية السياسة النقدية ووضوح أهدافها، وفي مقدمتها المحافظة على ربط الدينار بالدولار الأميركي منذ عام 1995، بسعر يبلغ نحو 0.709 دينار للدولار. فهذا الربط لا يقتصر على تثبيت سعر العملة، بل يوفر مرجعية واضحة للشركات والمستثمرين عند احتساب الالتزامات الخارجية وتسعير المدفوعات وإدارة التدفقات النقدية، ويحد من مخاطر تقلبات أسعار الصرف، بما يساعد على تحسين القدرة على التخطيط والاستثمار. ومع ذلك، فإن استقرار سعر الصرف لا يعني تحييد الاقتصاد عن ارتفاع الأسعار العالمية أو كلف الشحن والطاقة، وإنما يحد من مصدر مهم للمخاطر الاقتصادية.

ويستند هذا الاستقرار إلى احتياطيات أجنبية قوية، بلغت 28.47 مليار دولار في نهاية أيلول 2026، بارتفاع نسبته 11.7 % مقارنة بنهاية عام 2025، وتكفي لتغطية نحو 9.2 شهر من مستوردات السلع والخدمات. وتمثل هذه الاحتياطيات خط الدفاع الأساسي عن استقرار الدينار، إذ تعزز قدرة البنك المركزي على تلبية الطلب على العملات الأجنبية، وتدعم الوفاء بالالتزامات الخارجية، وتمنح الاقتصاد مساحة أوسع للتعامل مع الصدمات. كما أن أهميتها لا تقتصر على حجمها، بل تمتد إلى دورها في ترسيخ ثقة الأسواق بقدرة المملكة على إدارة مدفوعاتها الخارجية.

وفي موازاة ذلك، تؤدي أسعار الفائدة دورًا محوريًا في حماية جاذبية الدينار. فقد رفع البنك المركزي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس اعتبارًا من 21 أيلول 2026، ليصل سعر الفائدة الرئيسي إلى 6 %. وتأتي هذه السياسة في إطار المحافظة على جاذبية الموجودات المقومة بالدينار، والحد من الضغوط المحتملة على سعر الصرف، مع مراعاة التطورات النقدية العالمية. غير أن نجاح إدارة الفائدة لا يُقاس بارتفاعها وحده، بل بقدرة البنك المركزي على تحقيق التوازن بين الاستقرار النقدي وكلفة التمويل على الشركات والأفراد، خصوصًا في ظل الحاجة إلى تحفيز الاستثمار والإنتاج.

وتبرز أهمية هذا التوازن في مسار التضخم، الذي بلغ 1.56 % عام 2024، و1.77 % عام 2025، و2.26 % خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. فاستقرار الأسعار نسبيًا يحافظ على القوة الشرائية، ويمنح الأسر والشركات قدرة أفضل على التخطيط المالي، ويقلل من حالة عدم اليقين عند إعداد الموازنات وتحديد كلف المشروعات. ومع ذلك، فإن ضبط التضخم بصورة مستدامة يتطلب أيضًا سياسات اقتصادية تعزز المنافسة والإنتاجية وكفاءة سلاسل التوريد، لأن السياسة النقدية وحدها لا تستطيع معالجة جميع مصادر ارتفاع الأسعار.

وتتكامل هذه الأدوات مع تدفقات النقد الأجنبي المتأتية من السياحة وحوالات العاملين في الخارج. فقد بلغ الدخل السياحي 5.56 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، فيما وصلت حوالات العاملين الواردة إلى 2.97 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى، بنمو نسبته 14.1 %. وتدعم هذه التدفقات قدرة الاقتصاد على تمويل مستورداته وتلبية التزاماته الخارجية، وتخفف الضغط على الاحتياطيات، كما تؤكد أهمية القطاعات الإنتاجية والخدمية والمغتربين في مساندة الاستقرار النقدي.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في المحافظة على المرتبة الثالثة عالميًا فحسب، بل في تحويل هذا الاستقرار إلى نمو اقتصادي أوسع. فسلامة النقد توفر قاعدة ضرورية للاستثمار، لكنها لا تضمن وحدها ارتفاع معدلات النمو أو خلق فرص العمل أو زيادة الصادرات. وهذه النتائج تحتاج إلى بيئة أعمال أكثر تنافسية، وتمويل موجه إلى القطاعات الإنتاجية، وسياسات مالية منضبطة، وإصلاحات ترفع إنتاجية الاقتصاد وقدرته على استيعاب الاستثمارات.

إن الإنجاز الذي حققه الأردن يعكس أهمية التنسيق بين أدوات السياسة النقدية واستمرارية إدارتها، حيث تسند الاحتياطيات استقرار سعر الصرف، وتعزز الفائدة جاذبية الدينار، ويساعد ضبط السيولة على احتواء الضغوط التضخمية. وتكمن القيمة الاقتصادية لهذا النهج في توفير مظلة من الثقة والاستقرار، ينبغي البناء عليها لتعزيز الاستثمار والإنتاج والتشغيل، حتى لا يبقى التفوق النقدي مجرد مرتبة متقدمة في مؤشر دولي، بل يتحول إلى تحسن ملموس في أداء الاقتصاد ومستوى معيشة المواطنين.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ