بهذه العبارة بدأت منشوري على منصة إكس: "أنا لا أعشق الجيش العربي الأردني، أنا أؤمن به". لم أكتبها بحثاً عن تصفيق، ولم أقصد بها استعراضاً للوطنية، ولا المزايدة على محبة أحد لوطنه وجيشه. كتبتها لأنني أردت أن أعبّر عن قناعة راسخة في وجداني، بأن الجيش العربي الأردني ليس مجرد مؤسسة عسكرية نحبها ونفتخر بها، بل هو أحد أعمدة الدولة التي نؤمن بها، ونطمئن إلى وجودها، ونستند إليها حين تضيق الخيارات وتشتد الأخطار.
لكن ما حدث بعد نشر تلك الكلمات استوقفني كثيراً. فقد فوجئت بحجم الإساءة والتجريح الصادر عن حسابات وجهات مجهولة الهوية، بدا من طبيعة خطابها أنها تأتي من خارج الأردن. لم تكن ردوداً تناقش فكرة أو تختلف مع موقف، بل حملت إساءات مباشرة إلى الجيش العربي الأردني، ومحاولات للنيل من مكانته والتشكيك في دوره. وما أثار قلقي لم يكن ما تعرضت له شخصياً، بل حجم العداء الذي كشفته تلك التعليقات تجاه مؤسسة عسكرية وطنية لم أكتب عنها سوى كلمات إيمان واعتزاز.ولا أزعم أنني أعرف هوية أصحاب تلك الحسابات أو الجهات التي تقف وراءها، لكنني أعرف جيداً الفرق بين النقد المشروع والخطاب العدائي. وما قرأته لم يكن اختلافاً سياسياً طبيعياً، بل إساءات تستحق أن نتوقف عند دلالاتها، خصوصاً عندما تستهدف مؤسسة تمثل ركناً أساسياً من أركان أمن الأردن واستقراره.وأقولها اليوم بوضوح أكبر: لقد زادتني تلك الإساءات القادمة من الخارج إيماناً بالجيش العربي الأردني، وأعادت تذكيري بأن قوة هذا الجيش ومكانته لا تزعجان بالضرورة من يختلف معنا في الرأي، بل قد تزعجان أيضاً من لا يريد للأردن أن يبقى قوياً ومستقراً وصاحب قرار مستقل.أنا لا أؤمن بالجيش العربي لأنه يمتلك السلاح وحده، بل لأنه يمتلك تاريخاً من الانضباط والتضحية، ولأن وراء بزته العسكرية رجالاً تركوا بيوتهم وأطفالهم وأمهاتهم وزوجاتهم، واختاروا أن يقفوا حيث لا يريد الآخرون الوقوف. رجال لا نعرف أسماء كثيرين منهم، ولا نرى وجوههم على الشاشات، ولا نسمع شكواهم، لكننا نعيش آمنين لأنهم يسهرون حين ننام، ويتقدمون حين تشتد الأخطار، ويتحملون من أجل الوطن ما لا يستطيع كثيرون احتماله.وأؤمن بهذا الجيش لأن دوره لم يكن يوماً محصوراً في حماية الحدود. فهو حاضر في مواجهة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة، وفي إغاثة المنكوبين، وفي المهمات الإنسانية وحفظ السلام خارج الوطن. تلك ليست شعارات نرددها في المناسبات، بل مسؤوليات ثقيلة تتطلب قيادة محترفة، ومؤسسة منضبطة، ورجالاً يعرفون أن أمن الدولة ليس مجالاً للمغامرة.وأؤمن كذلك بأن القيادة الهاشمية، وعلى رأسها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية، تدرك أن قوة الأردن لا تقاس بحجم ترسانته العسكرية فحسب، بل بكفاءة مؤسساته، وتماسك شعبه، وثقته بنفسه، وقدرته على حماية قراره الوطني في إقليم لا يعرف الاستقرار.وهنا أريد أن أقول شيئاً شخصياً للغاية: أنا لا أحتاج إلى شهادة وطنية من حساب مجهول خارج حدود بلادي، ولا إلى موافقة أحد كي أعبّر عن إيماني بجيشنا وولائي لمليكنا. وإذا كان ثمن هذا الموقف بعض الشتائم والإساءات، فأنا مستعد لتحمله بكل هدوء واعتزاز. فكيف أشكو من كلمات جارحة، وهناك من يتحمل رصاصاً قاتلاً؟ وكيف أتضايق من إساءة خلف شاشة، وهناك من يودع أطفاله كل صباح دون أن يعرف إن كان سيعود إليهم مساءً؟إن المقارنة وحدها تجعل كل إساءة صغيرة، وكل محاولة للنيل من عزيمتنا بلا قيمة.ولذلك، فإن ردي على أصحاب الإساءات من خارج الأردن لن يكون بمثل لغتهم، ولن أسمح لهم بأن يجروني إلى مستواهم. سأرد بمزيد من الإيمان بالأردن، وبمزيد من الالتفاف حول جلالة الملك، وبمزيد من الاعتزاز بالجيش العربي والأجهزة الأمنية، وبموقف وطني واضح لا يتغير بتغير الظروف أو ارتفاع أصوات المسيئين.وأختم بما بدأت به: أنا لا أعشق الجيش العربي الأردني… أنا أؤمن به.فالعشق شعور قد تعجز الكلمات عن وصفه، أما الإيمان فهو موقف نتحمل مسؤوليته، ونثبت عليه حين يصبح مكلفاً.وسأبقى مؤمناً بهذا الجيش، ملتفاً حول مليكي، منحازاً إلى دولتي، مهما ارتفعت أصوات الإساءة من خارج حدودنا. فنحن نتحمل الكلمات من أجل وطننا، بينما يتحمل رجال جيشنا الموت من أجل أن يبقى هذا الوطن حياً.وشتّان بين من يختبئ خلف شاشة ليطعن في جيش الأردن، ومن يقف على حدود الأردن مستعداً لأن يفديه بروحه.أنا لا أعشق الجيش العربي الأردني… أنا أؤمن به
مدار الساعة ـ