لم تعد الفتنة تحتاج إلى سلاح كي تشتعل، فبعض الكلمات على الشاشات قادرة على إشعال ما تعجز عنه الرصاصات، حسابات وهمية تختبئ خلف أسماء مستعارة، ومنشورات تُصاغ بعناية لبث الكراهية، وتعليقات تُدفع باتجاه تمزيق الثقة بين أبناء المجتمع الواحد ،إنها حرب تستهدف العقول قبل المواقف، وتراهن على سرعة انتشار الأكاذيب، وعلى غضب الناس قبل وعيهم، لتصنع من الفضاء الإلكتروني ساحةً للعبث بأمن المجتمعات واستقرارها.
الخطير في الفتنة الإلكترونية ليس فقط من يطلقها، بل من يمنحها الحياة بإعادة نشرها وتداولها دون تفكير. فهناك من يتعمد اقتطاع الحقائق من سياقها، وتضخيم الأحداث، وإشعال النعرات، وتحويل كل قضية إلى معركة بين أبناء الوطن الواحد، وهنا يصبح المنشور المضلل أكثر من مجرد كلمات؛ يتحول إلى وقود للانقسام، وتصبح المشاركة غير المسؤولة بابًا تتسلل منه الفتنة إلى البيوت والعقول والقلوب.في الأردن، لا يجوز أن تتحول المنصات الإلكترونية إلى أدوات للعبث بوحدتنا الوطنية أو استغلال الظروف الحساسة للنيل من تماسك مجتمعنا. فالأردنيون لم تجمعهم المصالح العابرة، بل جمعهم تاريخ من التضحيات ومصير واحد وولاء لوطن تقوده قيادة هاشمية حكيمة جعلت أمن الأردن واستقراره ووحدة أبنائه أولوية لا تقبل المساومة، ومن يراهن على إثارة الانقسام بين الأردنيين، أو يستغل الاختلافات لبث الكراهية، عليه أن يدرك أن قوة الأردن في تلاحم شعبه والتفافه حول قيادته الهاشمية، وأن حماية أمنه مسؤولية وطنية مشتركة، وأن حرية التعبير لا تعني التحريض، والاختلاف لا يبرر الإساءة، وإخفاء الهوية لا يُسقط المسؤولية القانونية.إن معركة الوعي اليوم لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى؛ فالوطن الذي نحميه بأيدينا، يجب ألا نسمح لأصابعنا أن تطعن وحدته عبر الشاشات. المطلوب أن نتحقق قبل أن ننشر، وأن نفكر قبل أن نعلّق، وأن نرفض أن نكون أدوات في أيدي من يصنعون الفتنة ثم يختبئون خلف حساباتهم، فالأوطان لا تسقط دائمًا بصوت المدافع؛ قد يبدأ سقوطها حين يفقد أبناؤها الثقة ببعضهم، وقد تستعيد قوتها حين يدرك كل مواطن أن كلمةً مسؤولة تحمي وطنًا، وأن كلمةً طائشة قد تفتح بابًا لا تُحمد عواقبه.