أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

جريمة الكنيسة.. من يريد العبث بالأردن؟


د. منذر الحوارات

جريمة الكنيسة.. من يريد العبث بالأردن؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

لم يخطر ببال بعض الذين اجتمعوا في كنيسة حمود بالكرك لوداع سيدة متوفاة، أنهم بعد قليل سيواجهون المصير نفسه، وأن الموت سيطرق أبوابهم وهم يحملون نعشها، قلوب مثقلة بحزن الفراق وجدت نفسها أمام رصاص أطلقته نفوس مغموسة بالكراهية، لا تعرف للرحمة طريقا، أفاق الأردنيون على مشهد دموي هزّ وجدانهم، وعلى اكتشاف أشد إيلاما من صوت الرصاص: أن بيننا من استباح قتل المختلف دينيا وأحلّ دمه.

من أين جاءت كل هذه الكراهية؟ هل نحن أمام ثأر شخصي، أم جريمة ذات طابع تكفيري، كما أشارت المعلومات الحكومية الأولية؟ وهل تحرك الجناة بقناعاتهم الذاتية، أم أنهم جزء من تنظيم يمتلك مشروعا وأهدافا تتجاوز الحدود؟ تلك أسئلة لا تجيب عنها الانفعالات، بل التحقيقات والأدلة، والأشد خطورة أن تتحول الكراهية من رأي يتداوله البعض في الخفاء إلى قرار بالقتل، دون وخز ضمير.

والأردن ليس جزيرة معزولة، إنه يعيش وسط إقليم ملتهب، تمتد حروبه من فلسطين وسورية والعراق إلى إيران والخليج، ولا يمكن لدولة، مهما بلغت يقظة أجهزتها، أن تكون محصنة تماما من شظايا هذا الخراب الإقليمي، فالفوضى لا تحتاج دائما إلى عبور الجيوش، وللأفكار التكفيرية وشبكات السلاح والتحريض طرق أخرى لا تقل خطرا.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال التنظيمات التكفيرية، وفي مقدمتها داعش، الذي يحمل عداء تاريخيا للأردن، وله سجل دموي في استهداف الدول ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، وكذلك المدنيين ودور العبادة، مسيحية كانت أم إسلامية، وهو ما يجعل مواجهة الفكر التكفيري ضرورة أمنية ومجتمعية مستمرة وملحة، بصرف النظر عن هوية مرتكبي الجريمة أو ارتباطاتهم، التي تبقى مسؤولية تحديدها للجهات المختصة.

وإذا انتقلنا من سؤال المنفذ إلى خرائط المصالح الإقليمية، فلا يمكن تجاهل إسرائيل، التي ترى في الأردن عقبة أمام مشاريعها المتعلقة بتهجير الفلسطينيين وتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في فلسطين، وقد ترى تيارات إسرائيلية متطرفة في إضعاف الاستقرار الأردني فرصة لتقليص قدرته على مواجهة تلك المشاريع.

أما إيران، فقد اصطدم مشروع نفوذها الإقليمي بالموقف الأردني، منذ تحذير الملك عبد الله الثاني المبكر من الهلال الشيعي، فالأردن، بموقعه بين العراق وسورية والسعودية وفلسطين، شكل عائقا أمام تمدد شبكات السلاح والمليشيات، ومنع تحويل أراضيه إلى ممر للضغط على السعودية ودول الخليج، ومن هنا يمكن فهم أهمية حصول الفوضى في الأردن في الحسابات الإيرانية، وما قد تمثله بعض الجماعات المرتبطة بطهران من تحديات أمنية، سواء عبر شبكات التسليح أو التدريب أو الدعم اللوجستي.

والمفارقة أن المشاريع الداعشية والإيرانية والإسرائيلية متخاصمة، بل متحاربة، ولا يمكن افتراض تنسيق بينها، لكنها قد تتقاطع في نتيجة واحدة، هي إضعاف الأردن وإشغاله بنفسه، فليس ضروريا أن يتفق الخصوم على خطة حتى تلتقي مصالحهم عند إضعاف استقرار دولة تقف في طريق مشاريعهم، دون أن يعني ذلك مسؤولية أي منهم عن جريمة الكرك.

لكن هل نجح من ارتكب الجريمة في إحداث الشرخ الذي أراده؟ الإجابة الأولى جاءت من الكرك ومن الأردنيين جميعا، فلم يكن الألم مسيحيا وحده، بل أردنيا، مسلما ومسيحيا، كانت الدمعة واحدة، والوجع واحدا، والعزاء واحدا، وامتزجت التراتيل بآيات القرآن، في مشهد أظهر أن الروابط بين الأردنيين أعمق من أن يمزقها رصاص الكراهية.

وعلى مستوى الدولة، كان الحضور سريعا وواضحا، تقدم الملك عبد الله الثاني المشهد، ومعه رئيس الوزراء والقيادات الرسمية والأمنية، في رسالة حازمة بأن الضحايا أبناء الدولة جميعا، وأن المجرمين لن يفلتوا من المحاسبة، وهكذا واجهت محاولة ضرب الثقة بين المواطن والدولة، إن كانت مقصودة، استجابة سارت في الاتجاه المعاكس، لكن ذلك لا يعفي المؤسسات من الإجابة عن أسئلة المجتمع الملحة.

لكن التضامن والحزم لا يكفيان وحدهما، فالأردنيون ينتظرون كشف القتلة وشبكاتهم ومصادر أسلحتهم وتمويلهم، وأي ارتباط خارجي محتمل، وينتظرون أيضا خطة وطنية لمواجهة التكفير والتحريض على قتل المختلف دينيا وعقائديا، خصوصا عبر مواقع التواصل، مع فصل واضح بين حرية التعبير والدعوة إلى العنف، أما من يحمل السلاح لقتل الأبرياء، فلا يواجه إلا بالحزم الأمني والمحاسبة وفق القانون.

لقد كانت عيون الدولة تتجه إلى السماء لرصد الصواريخ والمسيرات القادمة من إيران، فإذا بخطر آخر يكشف عن وجهه القبيح من بين ثنايانا، وهذا يذكرنا بأن حماية الوطن لا تتوقف عند حدوده، بل تبدأ أيضا بحماية عقول أبنائه وثقتهم بعضهم ببعض.

أخطأ من ظن أن الطريق إلى إضعاف الأردن يمر بإثارة الخوف والانقسام بين أهله، فقد كشفت جريمة الكرك بشاعة الكراهية، لكنها كشفت أيضا عن وطن قد تضيق به الجغرافيا والموارد، لكنه يتسع بأهله ووحدتهم وقدرتهم على مواجهة الخطر معا.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ