مدار الساعة -كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة سانت أندروز الاسكتلندية عن آلية محتملة تفسر كيف أسهم نمو الصفائح الجليدية في نصف الكرة الشمالي في دفع الأرض نحو عصور جليدية سابقة، عبر إطلاق سلسلة من التغيرات في دوران المحيطات امتدت آلاف الكيلومترات وصولاً إلى المحيط الجنوبي المحيط بالقارة القطبية الجنوبية.
وتقدم الدراسة تفسيراً محتملاً للصلة بين التغيرات المناخية في نصفي الكرة الأرضية، وكيف يمكن لهذه التفاعلات أن تساعد على خفض تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وتعزيز التبريد الذي صاحب تطور العصور الجليدية.يدرك العلماء منذ فترة طويلة أن المحيط الجنوبي يؤدي دوراً محورياً في تنظيم مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، إذ تؤثر التغيرات في حركة مياهه ومساحات الجليد البحري على قدرة المحيطات على احتجاز الكربون في الأعماق لفترات طويلة.ويمكن أن يؤدي ازدياد كمية الكربون المخزنة في أعماق المحيط إلى تقليل ما يبقى منه في الغلاف الجوي، وهو ما يسهم في تعزيز التبريد العالمي. غير أن السؤال الذي ظل يحير الباحثين هو: كيف يمكن لنمو الصفائح الجليدية في الشمال أن يؤثر في حركة المياه والظروف المناخية في منطقة تبعد عنه آلاف الكيلومترات جنوباً؟صفائح ضخمةيبدأ نمو الصفائح الجليدية الضخمة في نصف الكرة الشمالي بتغيرات في مدار الأرض تؤثر في توزيع الطاقة الشمسية على سطح الكوكب. ووفقاً للدراسة الجديدة، يمكن لهذه الصفائح، مع توسعها، أن تؤدي إلى تبريد مياه شمال المحيط الأطلسي، بما يطلق سلسلة من التغيرات التي تتجاوز المنطقة المحيطة بها.ومع انتقال المياه الباردة عبر منظومة الدوران المحيطي العالمي، يمكن أن يصل تأثيرها في نهاية المطاف إلى المحيط الجنوبي، حيث قد يؤدي التبريد الشمالي، إذا كان قوياً بما يكفي، إلى تغيير أنماط دوران المياه حول القارة القطبية الجنوبية، وتهيئة ظروف تساعد على احتجاز مزيد من ثاني أكسيد الكربون في المحيط بدلاً من بقائه في الغلاف الجوي.وتقدم هذه الآلية تفسيراً فيزيائياً محتملاً لكيفية تحول التغيرات التي تبدأ في أحد نصفي الكرة الأرضية إلى عامل يعزز التبريد على مستوى الكوكب بأكمله.تأثير محتمللاختبار هذه الفرضية، استخدم الباحثون محاكاة حاسوبية عمدت إلى تبريد المناطق الشمالية القصوى من المحيطات فقط، لمحاكاة التأثير المحتمل لوجود صفيحة جليدية ضخمة، ثم درسوا ما إذا كان هذا التبريد قادراً على الانتقال جنوباً وتغيير ظروف المحيط الجنوبي بما يؤثر في مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.وأظهرت النتائج أن تبريد المياه الشمالية وحدها أحدث استجابة كبيرة، إذ بلغ الانخفاض المحاكى في تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي نحو 74% من الانخفاض الناتج عن تبريد الكوكب بأكمله في التجربة المقارنة.وتدعم هذه النتائج إمكانية وجود صلة مؤثرة بين نمو الصفائح الجليدية الشمالية وقدرة المحيط الجنوبي على تخزين الكربون. لكنها لا تثبت مقدار إسهام هذه الآلية فعلياً في كل عصر جليدي سابق، بل توضح أن هذا المسار ممكن من الناحية الفيزيائية وفقاً للنماذج المستخدمة.نظرياتوقالت الدكتورة ماديسون شانكل، الباحثة الرئيسية في الدراسة من كلية علوم الأرض والبيئة بجامعة سانت أندروز، إن البحث يقدم أدلة على آلية محتملة تربط بين لغزين طالما واجها العلماء: الصفائح الجليدية في نصف الكرة الشمالي والتغيرات في دوران المحيطات جنوباً، وما يرتبط بها من انخفاض في مستويات ثاني أكسيد الكربون.وأضافت أن الدراسة تتقدم خطوة مهمة من خلال إظهار عمل هذه الآلية فعلياً داخل المحاكاة الحاسوبية، بعدما كان تفسير العلاقة بين هذه العمليات يمثل تحدياً في النظريات التي تشرح العصور الجليدية السابقة.وعلى الرغم من أن الأبحاث ركزت تقليدياً على العمليات المحيطية المحيطة بالقارة القطبية الجنوبية، نظراً لدورها في تنظيم تبادل الكربون بين الغلاف الجوي وأعماق المحيط، فإن النتائج الجديدة تشير إلى أن التغيرات الحرارية في مناطق شمالية بعيدة قد تكون جزءاً مهماً من المنظومة نفسها.وتكتسب هذه النتائج أهمية تتجاوز فهم المناخ القديم، إذ توفر العصور الجليدية سجلاً طبيعياً لحركة الكربون بين المحيطات والغلاف الجوي على مدى فترات زمنية طويلة. وقد يساعد فهم هذه العمليات العلماء على تحسين النماذج المناخية ودراسة استجابة دورة الكربون العالمية للتغيرات في تركيز ثاني أكسيد الكربون، بما في ذلك الارتفاع الناتج عن الأنشطة البشرية.من جليد الشمال إلى أعماق الجنوب.. حلقة مفقودة تكشف كيف تتجمد الأرض وتتنفس
مدار الساعة ـ











