أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

ما بعد حمود


أ.د. نورس شطناوي

ما بعد حمود

مدار الساعة ـ

قد لا تكون دخلت كنيسة حمود يوماً. وقد لا تعرف الطريق إليها، ولا أسماء الذين اعتادوا الصلاة فيها. ومع ذلك، حين وصل خبر الجريمة، شعرتَ بأنّ شيئاً في قلبك قد انكسر.

هذا هو الوطن؛ أن يوجعك مكانٌ لم تزره، لأنّ الذين أُوجعوا فيه أهلك.

وقف الوطن كله مع أهالي حمود... وأظهر التعاطف الواسع مع أسر الشهداء والمصابين أن الأردن يعرف أهله ساعة الوجع، وأن الرصاص الذي أصاب حمود أوجع البلاد كلها. وفي مشهد التشييع، حيث ارتفعت الأعلام الأردنية فوق الجثامين، كانت هوية المصاب واضحة: هؤلاء أبناؤنا، وهذا حزننا، وهذه مسؤوليتنا جميعاً.

لكن الأوطان تحتاج، بعد أن تمسح دموعها، إلى أن تفتح عيونها جيداً.

من هنا، تكتسب رئاسة جلالة الملك عبدالله الثاني لاجتماع مجلس الأمن القومي أهميتها السياسية والأمنية. فقد حملت التوجيهات الملكية تكليفاً يتجاوز التعامل مع تداعيات الجريمة إلى مراجعة أدوات منعها: تقييم أمني شامل، وإجراءات عملية لتعزيز الجاهزية والاستباق، ومراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه. وبالتوازي، تأكيد إطلاع المواطنين على مستجدات التحقيق ومواجهة الشائعات ومحاولات الفتنة.

في تقديري، جوهر هذه التوجيهات هو أن أمن الأردنيين يستحق مراجعة دائمة، وأن قوة الدولة تظهر في قدرتها على التعلم والتصحيح بقدر ما تظهر في قدرتها على الملاحقة والردع. فالثقة بالمؤسسات تمنح المراجعة قيمتها، والمراجعة الجادة تعزز تلك الثقة. وكل سؤال مهني يكشف ثغرة ويغلقها هو عمل في خدمة الدولة وحماية مواطنيها.

وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يحكم المرحلة: ما الذي يجب أن يتغير بعد حمود؟

في جلسة مجلس الوزراء، أكد رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان ضرورة اجتثاث الفكر التكفيري والتطرف، ووضع مواجهة الوعي والفكر إلى جانب المواجهة الأمنية. وهذا تشخيص تترتب عليه مسؤوليات. نحتاج إلى برنامج حكومي واضح، نعرف فيه مسؤولية كل مؤسسة، وموعد تنفيذها، وكيف سيُقاس أثرها.

وعلى البرلمان الأردني أن يكون في مقدمة هذا الاستحقاق. للمواساة مكانتها، وللإدانة ضرورتها، وللمشرّع مهمة تبدأ من تحويل الموقف الوطني إلى عمل تشريعي ورقابي. والمطلوب مراجعة دقيقة للتشريعات ذات الصلة، وفحص قدرتها على مواجهة التحريض على العنف، والتجنيد والتمويل، وتسهيل الإرهاب عبر المنصات الرقمية، ومعالجة أي ثغرات تكشفها الخبرة العملية.

ولا تبدأ المراجعة بافتراض أن المشكلة دائماً نقص في العقوبات. فقد تكون في نص يحتاج إلى ضبط، أو تطبيق يحتاج إلى تطوير، أو تنسيق يحتاج إلى إصلاح. التشريع المحكم يعرف الفعل الذي يجرّمه، ويحدد المسؤولية عنه، ويتيح إثباته ومحاسبة مرتكبه. أما العبارات الفضفاضة فتربك التطبيق، وتفتح أبواباً للتأويل، فيما تحتاج مواجهة الإرهاب إلى دقة وحزم وعدالة.

من هنا، ينبغي أن تحمي التشريعات الناس من التحريض والعنف، وأن تصون في الوقت نفسه حرية الاعتقاد والتعبير المشروع وضمانات المحاكمة العادلة. فدولة القانون هي مصدر قوتنا، وكلما كانت المساءلة واضحة وعادلة، ازدادت قدرتنا على عزل التطرف وقطع الطريق على ذرائعه.

وللبرلمان، بعد ذلك، أن يسأل ويتابع: ماذا أنجزت الحكومة؟ كيف تُقيَّم برامج الوقاية؟ هل تصل إلى الفئات التي تحتاجها؟ وما الذي تغير فعلياً في التعليم والخطاب العام والعمل مع الشباب؟ قيمة الرقابة في استمرارها بعد انحسار الاهتمام الإعلامي، حين تصبح المتابعة أقل ضجيجاً وأكثر ضرورة.

وفي هذه المواجهة، تستحق المدرسة والجامعة والمنبر والأسرة مساحة توازي حجم المسؤولية. علينا أن نواجه الخطاب الذي يهوّن قيمة الإنسان، وأن نمنح الشباب القدرة على السؤال والنقاش وكشف التضليل. كما يجب أن تبقى رعاية المصابين وأسر الشهداء التزاماً مؤسسياً ممتداً؛ فالألم لا ينتهي بانتهاء مراسم العزاء.

ما بعد حمود يجب أن يكون موعداً للعمل، نرى أثره في جاهزية المؤسسات، ودقة التشريعات، وجدية الرقابة، وقدرة المجتمع على حماية أبنائه من الكراهية.

سيحفظ الأردنيون أسماء شهدائهم. وعلى مؤسساتهم أن تجعل من هذا الوجع مسؤولية يحملها الجميع.

فالسؤال الذي سيبقى، بعد أن تهدأ الكلمات: ماذا فعلنا كي لا تتكرر حمود؟

مدار الساعة ـ