إذا كانت الأجهزة الأمنية تمثل خط الدفاع الضروري في مواجهة الإرهاب، فإن المدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والثقافية تشكل ميادين أساسية لبناء الوعي الذي يساعد المجتمع على مقاومة الخطابات المتطرفة. فالمواجهة المستدامة مع الإرهاب لا تبدأ عند اكتشاف الخلية المسلحة فحسب، وإنما تبدأ أيضًا عندما يتعلم الإنسان احترام الاختلاف، والتفكير النقدي، ورفض تحويل المعتقدات إلى مبررات للعنف والإقصاء.
إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بشجاعة هو: هل نعلّم أبناءنا كيف يفكرون، أم نكتفي بتعليمهم ماذا يفكرون؟ وهل تمنح مؤسساتنا التعليمية الطلبة الحق في السؤال والمناقشة والنقد، أم تجعل الحفظ والتلقين معيارًا أساسيًا للنجاح؟لا يعني هذا التساؤل اتهام التعليم الأردني بإنتاج التطرف، وإنما الدعوة إلى تطويره ليكون أكثر قدرة على بناء شخصية مستقلة وواعية، تستطيع التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الاختلاف المشروع والتحريض على الكراهية، وبين الإيمان الديني واستغلال الدين لتحقيق أهداف عنيفة.إن التعليم الذي يعتمد على التلقين وحده قد يضعف مهارات التحليل والمساءلة، بينما يساعد التعليم النقدي الطلبة على فهم تعدد الآراء وتقييم الحجج والأدلة. ولذلك، فإن تطوير المناهج ينبغي ألا يقتصر على إضافة عبارات عن التسامح والاعتدال، بل يجب أن يشمل أساليب التدريس والتقييم وطبيعة العلاقة بين المعلم والطالب.ونحن بحاجة إلى إعطاء الفلسفة والتاريخ والعلوم الإنسانية والفنون مكانة أكبر في التعليم المدرسي والجامعي؛ فالفلسفة تعلّم الإنسان كيف يسأل، والتاريخ يساعده على فهم اختلاف الأزمنة والسياقات، والفنون تفتح أمامه مساحات للتعبير والإبداع، والحوار يعلّمه أن الاختلاف لا يستدعي العداء.كما أن التعريف الموضوعي بتاريخ الأديان والثقافات المختلفة يمكن أن يعزز فهم التنوع داخل المجتمع الأردني، ويحمي الأجيال الجديدة من الصور النمطية والأحكام المسبقة. فالتعايش بين المسلمين والمسيحيين في الأردن ليس مجرد شعار للمناسبات، بل قيمة وطنية ينبغي أن تنعكس في المناهج والممارسات والمؤسسات.أما في المجال الديني، فإن الحاجة إلى التطوير لا تقل أهمية. فالتراث الديني والفكري تراث واسع ومتعدد الاجتهادات، نشأ في ظروف تاريخية وسياسية واجتماعية مختلفة. ومن حق المجتمع أن يعتز بتراثه، لكن الاعتزاز لا ينبغي أن يمنع دراسته دراسة نقدية علمية، أو التمييز بين ما ينتمي إلى سياقه التاريخي وما يمكن أن يتوافق مع مبادئ الدولة الحديثة والمواطنة المتساوية.إن المشكلة لا تكمن في الدين ذاته، وإنما قد تنشأ عندما تُنتزع بعض النصوص والتفسيرات من سياقاتها، وتُستخدم لتبرير التكفير أو التمييز أو الاعتداء على الآخرين. ومواجهة هذه الاستخدامات تحتاج إلى المعرفة والحوار والاجتهاد المسؤول، لا إلى الشعارات والوعظ المتكرر وحدهما.وهنا تبرز مسؤولية وزارة الأوقاف ودائرة الإفتاء العام والمؤسسات الدينية والتعليمية في تطوير برامج التأهيل للوعاظ والمرشدين، وتعزيز مهارات الحوار، والتعاون مع الجامعات والخبراء في العلوم الاجتماعية والنفسية والتربوية.ويمتلك الأردن أساسًا مهمًا يمكن البناء عليه، يتمثل في رسالة عمّان وما تضمنته من تأكيد على الاعتدال ورفض التكفير غير المنضبط والاعتراف بالتنوع المذهبي. لكن القيمة الحقيقية لأي مبادرة لا تقاس بجمال مبادئها فقط، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الناس والتأثير في المعرفة والسلوك.ولذلك، فإن المطلوب مراجعة علمية مستمرة للمناهج والخطب والبرامج التوعوية، مع احترام حرية المعتقد والاختلاف الفقهي المشروع، والتركيز على مواجهة التحريض على العنف والكراهية.ولا يمكن أن تنجح هذه الجهود إذا تحولت إلى حملات موسمية تنشط بعد كل جريمة إرهابية ثم تتراجع مع مرور الوقت. فبناء الوعي عملية طويلة تحتاج إلى مؤسسات مؤهلة وموارد واستمرارية وتقييم علمي.إن المجتمع الذي يعلّم أبناءه التفكير بدلًا من التلقين، والحوار بدلًا من الإقصاء، والمواطنة بدلًا من التمييز، يمتلك مقومات أقوى لمقاومة الخطابات التي تبرر العنف.لكن إصلاح التعليم والخطاب الديني لا يكفي وحده؛ إذ تبقى أسئلة العدالة والمشاركة السياسية والثقة بالمؤسسات حاضرة بقوة. وهذا ما تتناوله الحلقة الثالثة والأخيرة، التي تقدم تصورًا عمليًا لاستراتيجية وطنية أردنية شاملة لمكافحة التطرف والإرهاب.ما وراء المقاربة الأمنية: نحو استراتيجية وطنية أردنية شاملة لمكافحة التطرف العنيف والإرهاب
أ.د. محمد تركي بني سلامة
ما وراء المقاربة الأمنية: نحو استراتيجية وطنية أردنية شاملة لمكافحة التطرف العنيف والإرهاب
مدار الساعة ـ