أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حادثة كنيسة الكرك في الأردن.. الأمن الوطني والوحدة الوطنية في مواجهة تحديات الإقليم


د. يوسف فايز الدلابيح
باحث في التاريخ السياسي والقانون الدولي – مختص في حقوق الإنسان

حادثة كنيسة الكرك في الأردن.. الأمن الوطني والوحدة الوطنية في مواجهة تحديات الإقليم

د. يوسف فايز الدلابيح
د. يوسف فايز الدلابيح
باحث في التاريخ السياسي والقانون الدولي – مختص في حقوق الإنسان
مدار الساعة ـ

تتجاوز دلالات الحوادث الأمنية التي تمس حياة المدنيين حدود الواقعة المباشرة؛ فهي تطرح أسئلة تتصل بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، ومتانة النسيج الاجتماعي، وطبيعة البيئة الإقليمية التي تتحرك ضمنها. ومن هذا المنطلق، فإن الاعتداء الذي وقع أثناء مراسم تشييع جنازة في كنيسة الروم الأرثوذكس ببلدة حمود في محافظة الكرك يستدعي قراءة تتناول أبعاده الأمنية والسياسية والحقوقية، من دون التسرع في تفسير دوافعه أو ربطه بجهات لا تثبت مسؤوليتها الأدلة.

إن وقوع الاعتداء خلال مناسبة إنسانية ترتبط بالوداع والحزن يضاعف أثره على ذوي المتوفاة والحاضرين، ويعيد التأكيد على أن حماية الحياة وصون كرامة الإنسان من أولى مسؤوليات الدولة والمجتمع. كما أن حماية دور العبادة وتأمين مرتاديها واجب قانوني وأخلاقي، لا يتوقف على هوية المكان أو المعتقدات الدينية لمن يرتادونه، بل يستند إلى حق الإنسان في الأمن والكرامة.

ومن المنظور الإسلامي، يمثل العدل وصون النفس ورفض الاعتداء قيمًا أصيلة، ويؤكد القرآن الكريم مبدأ البر والقسط مع من لا يقاتل المسلمين، كما جاء في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]. ويعزز هذا المبدأ أهمية العدل في التعامل، واحترام الحقوق، وعدم تحميل جماعة كاملة مسؤولية فعل فرد أو أفراد.

وفي الحالة الأردنية، تمثل الوحدة الوطنية عنصرًا أساسيًا في استقرار الدولة وقدرتها على مواجهة التحديات. فالمواطنة وسيادة القانون هما الإطار الذي يصون حقوق الجميع، ويضمن ألا تتحول الحوادث الأمنية إلى سبب للانقسام أو التعميم أو إثارة النعرات. ومن هنا، فإن الموقف المسؤول يبدأ برفض الاعتداء، ثم انتظار نتائج التحقيق، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة والإجراءات القانونية.

لكن فهم الأبعاد الأمنية لأي حادثة لا يكتمل بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية. فالمنطقة تشهد نزاعات مسلحة ممتدة، وتنافسًا على النفوذ، وتداخلًا بين المصالح الاستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية، فضلًا عن وجود جماعات مسلحة وشبكات غير قانونية في بعض بؤر الصراع. وقد تسهم هذه العوامل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تعقيد المشهد الأمني، وإضعاف مؤسسات بعض الدول، وخلق بيئات قابلة لانتشار العنف، بما ينعكس على أمن المجتمعات واستقرارها ويتجاوز أحيانًا حدود الدول التي تنطلق منها الأزمات.

وتكشف الخبرة التاريخية والسياسية أن استقرار الدول لا يتأثر بالقوة العسكرية وحدها، بل يتصل أيضًا بفاعلية المؤسسات، ومتانة الروابط الاجتماعية، وقدرة الدولة على إدارة الأزمات، وحماية استقلال قرارها الوطني. كما أن تضارب المصالح الدولية قد يطيل أمد بعض النزاعات ويعقّد تسوياتها، فيما تتحمل المجتمعات المدنية جانبًا كبيرًا من آثارها. غير أن إدراك هذه السياقات لا يبرر تفسير كل حادثة محلية بوصفها امتدادًا لصراع إقليمي أو دولي؛ إذ يقتضي التحليل الموضوعي الفصل بين قراءة البيئة الاستراتيجية العامة وبين الوقائع التي تثبتها التحقيقات.

وبالنسبة إلى الأردن، فإن موقعه الجغرافي وطبيعة محيطه السياسي يفرضان مواصلة متابعة التطورات الإقليمية وتقدير انعكاساتها المحتملة على الأمن الوطني. ولا يعني ذلك افتراض وجود تهديد خارجي وراء كل حادثة، بل بناء تقدير استراتيجي يستند إلى المعلومات الموثوقة، ويوازن بين الاستعداد للمخاطر وتجنب الاستنتاجات المتسرعة. فاليقظة الأمنية الفاعلة تقوم على الوقاية، وتبادل المعلومات ضمن الأطر المشروعة، ورفع كفاءة المؤسسات، وتعزيز قدرة المجتمع على التعامل مع الأزمات.

وعلى المستوى الداخلي، يظل التحقيق المهني في الحادثة، وكشف ملابساتها، وتحديد المسؤوليات، وتطبيق القانون على من تثبت مسؤوليته، أمورًا أساسية لاستعادة الطمأنينة وتعزيز الثقة بالمؤسسات. ويجب أن يجري ذلك مع احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة؛ فالحزم الأمني وسيادة القانون ليسا مسارين متعارضين، بل يكمل أحدهما الآخر حين تُمارَس السلطة في إطار العدالة والمساءلة.

وتبرز كذلك مسؤولية الإعلام ومستخدمي المنصات الرقمية في التعامل مع الأخبار المتعلقة بالحوادث الأمنية. فالمعلومات غير الدقيقة، والاتهامات غير المثبتة، والمحتويات التي تُتداول خارج سياقها، قد تضاعف الآثار الاجتماعية للحادثة وتثير مخاوف وتوترات لا تخدم المجتمع. ومن هنا، فإن التحقق من المعلومات وتجنب التحريض والتعميم جزء من المسؤولية الوطنية، لا سيما في أوقات الأزمات التي تزداد فيها حساسية الرأي العام.

إن الأمن الوطني، في معناه الأوسع، لا يقوم على الاستجابة الأمنية وحدها، وإنما يتصل أيضًا بعدالة المؤسسات، وثقة المواطنين بها، واحترام الحقوق، ومتانة العلاقات بين مكونات المجتمع. وحماية دور العبادة، وصون كرامة الإنسان، ومساءلة المسؤولين وفق القانون، ومواجهة الشائعات، كلها عناصر مترابطة في بناء أمن مستدام. وكلما ازدادت قدرة المجتمع على رفض العنف دون الانجرار إلى الانقسام، ازدادت مناعته في مواجهة محاولات استغلال الأزمات أو توظيفها للإضرار باستقراره.

وفي المحصلة، تضع حادثة كنيسة الكرك أمامنا مسؤولية مزدوجة: التعامل القانوني الحازم مع الواقعة وكشف حقيقتها، وقراءة البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بوعي استراتيجي لا يخلط بين الاحتمالات والحقائق. فالدولة القوية ليست التي تستجيب للخطر فحسب، بل التي تحمي مواطنيها، وتصون حقوقهم، وتحافظ على تماسك مجتمعها، وتدير علاقاتها وتحدياتها الإقليمية بحكمة واستقلالية.

وفي منطقة تتشابك فيها النزاعات والمصالح وتوازنات القوى، تظل حماية أمن الأردن واستقراره مسؤولية تتطلب يقظة مؤسسية، وتحليلًا سياسيًا رصينًا، والتزامًا بسيادة القانون، وتمسكًا بالوحدة الوطنية. فهذه الركائز هي التي تمنح الدولة قدرتها على مواجهة التحديات دون التفريط في العدالة أو كرامة الإنسان أو استقرار المجتمع.

مدار الساعة ـ