رح نورجيهم.
قالها الملك عبدالله الثاني، فكانت كلمتين من عزيمة قائد، تحملان هيبة دولة، وغضب وطن، وحق شعب لا يقبل أن تُستباح دماؤه، ولا أن يُمتحن صبره بجرائم الجبناء.ألا فاسمعوا، يا خوارج العصر، ويا أحفاد الحشاشين والقرامطة وداعش في الإجرام!لقد نبشتم أحط صفحات التاريخ، واستخرجتم منها الغدر والاغتيال واستباحة الدماء، ثم جئتم تتباهون بميراث من العار، كأن البشرية لم تعرف من الخسة ما يكفي حتى جئتم تزيدونها خسة!بئس الميراث، وبئس الوارثون!أيها الجبناء، أتسمون قتل المصلين فتحًا، وترويع الآمنين جهادًا، والغدر بطولة؟ لقد أفلستم من الشجاعة، فاستقويتم على العُزَّل، وأعيتكم الحجة، فاستنجدتم بالرصاص، ثم خرجتم تتباهون بجرائم لو كان للعار لسان لاستحيا من نسبتها إليه!لقد حملتم السلاح إلى بيوت العبادة، وأردتم أن تكتبوا بدماء الأبرياء فصلًا من الفتنة، وأن تفصلوا بين أجراس الكنائس وأذان المساجد. وما علمتم أنكم تخوضون حربًا على وطن تجهلون تاريخه، وشعب تعجزون عن فهمه، ووحدة لا تبلغها رصاصات الغدر.فالأردن لم تصنع وحدته المصادفة، ولم تجمع أبناءه مصلحة عابرة، ولم يستعر أخوته من خطبة حتى تسلبها منه عصابة.يا أشباه الخوارج، لقد بلغ بكم الإفلاس أن أصبح المصلي خصمًا، والأعزل عدوًّا، وبيت العبادة ميدانًا لاستعراض قذارتكم. تقتلون الإنسان ثم تتحدثون عن الفضيلة، وتسفكون الدم ثم تتشدقون بالطهارة، وتخفون وجوهكم ثم تدّعون الشجاعة!ما أوقح الجريمة حين ترتدي ثوب العقيدة، وما أخس القاتل حين يتخذ من الدين ستارًا لعار لا يستره شيء!وليس الإرهاب رصاصة يطلقها مجرم ثم ينتهي أمرها؛ إن وراءه عقولًا تحرّض، وأموالًا تموّل، وشبكات تجنّد، وأياديَ تزرع الفتنة وتقتات على الخراب.ولا يجوز أن تغيب الأطراف الخارجية عن دائرة الفحص والتحقيق؛ فالوحدة 8200 الإسرائيلية وأجهزة حرب الظل، ونظام الملالي في طهران وأذرعه، جميعها تطرح أسئلة مشروعة بشأن التدخلات والتهديدات الإقليمية، وليكن الحساب لمن تثبت مسؤوليته.وليعلم كل محرض وممول ومتستر يثبت اشتراكه في الإرهاب أن دماء الأردنيين ليست سلعة في أسواق المؤامرات، وأن من هيأ للجريمة أسبابها لا يبرئه أنه لم يضغط على الزناد؛ فالقاتل لا يبدأ جريمته حين يطلق الرصاص، بل حين يجد من يموله ويحرّضه ويمهد له الطريق.رح نورجيهم.قالها الملك، فانتهى مقام الوعيد وبدأ مقام الحساب؛ حساب تكشف فيه الوجوه، وتتعقب فيه الشبكات، وتسقط فيه الأقنعة، ويُساق فيه من تثبت مسؤوليته إلى عدالة لا تعرف المحاباة ولا تقبل المساومة.إن صبر الأردن ليس إذنًا للعدوان، وحلمه ليس ملاذًا للقتلة، واعتداله ليس بابًا مشرعًا لمن استباح دماء أبنائه. وراء هاتين الكلمتين جيش لا يساوم على وطنه، وأجهزة أمنية لا تتهاون في واجبها، وشعب إذا أصيب أحد أبنائه تداعى له سائر أهله.ألا فاعلموا، يا خوارج العصر، أنكم أخطأتم الأرض، وجهلتم أهلها، وأسأتم تقدير الدولة التي اعتديتم على أمنها.لقد ظننتم أن الرصاص يصنع الهيبة، وأن دماء الأبرياء تمنحكم المجد، فإذا ببطولاتكم المزعومة لا تتجاوز قتل من لا يحمل سلاحًا، وإذا بشجاعتكم تنتهي حيث تبدأ المواجهة!وما حصدتم إلا عارًا يفضح جبنكم، وجريمة تشهد على سقوطكم، واحتقارًا لا تمحوه راياتكم ولا خطبكم.يا من تتفاخرون بقتل المصلين، لقد أردتم أن ترهبوا الأردن، فكشفتم مقدار خوفكم من إنسان أعزل؛ وأردتم أن تصنعوا مجدًا، فما صنعتم إلا فضيحة؛ وأردتم أن تفرقوا شعبًا، فإذا بجريمتكم شهادة جديدة على وحدته.فاسمعوا وعوا:إن من يحارب المصلين قد أعلن إفلاسه قبل أن يطلق رصاصته، ومن يراهن على تمزيق الأردن قد خسر رهانه قبل أن يبدأ.رح نورجيهم.قالها الملك، فلا تسألوا عن معناها في المعاجم، ولا تقيسوا وقعها بعدد حروفها؛ فإن الكلمات إذا خرجت من أفواه أصحاب العزائم، تكفلت الأفعال بشرحها.أما أنتم، يا خوارج العصر، فقد أخطأتم حين ظننتم أنكم تواجهون وطنًا بالرصاص، وما واجهتم إلا عجزكم عن فهمه.لقد أردتم أن تكتبوا التاريخ بدماء الأبرياء، ولكن التاريخ لا يخلّد الجبناء لمجرد أنهم امتلكوا القدرة على القتل.فانتظروا، إنا منتظرون. ورح نورجيهم.رح نورجيهم.. كلمتان مزلزلتان في الميدان!
مدار الساعة ـ