إن الحقيقة التي نسعى إلى تأكيدها منذ البداية أن الحوادث الإرهابية ليست مجرد وقائع أمنية عابرة تنتهي بانتهاء التحقيقات، ولا هي أحداث يمكن تجاوزها ببيانات الإدانة والاستنكار.
وانما هي تترك وراءها أسئلة تتصل بطبيعة المجتمع، ومصادر الخطر الذي يتهدده، وقدرة الدولة على حماية استقراره وصون نسيجه الوطني، وهو العنوان الذي بقي يتميز به الأردن بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني . ومن هذا المنطلق، فإن الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة حمود في محافظة الكرك له دلالات، بوصفه اعتداءً على مواطنين وعلى حقهم في الأمن والطمأنينة، ما يشكل واجباً لإعادة النظر في الوسائل التي نعتمدها لمواجهة الفكر المتطرف.لقد جاءت توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني، خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن القومي بحضور سمو ولي العهد، بمراجعة نهج مكافحة الفكر المتطرف وتكثيف الجهود لتجفيف منابعه ضمن خطة منهجية متكاملة، لتؤكد أن المواجهة لا يجوز أن تظل محصورة في حدود المعالجة الامنية فقط. ومما لا شك فيه، ولا ريب يعتريه إن الأجهزة الأمنية تستطيع ملاحقة الجريمة، والقانون يستطيع محاسبة مرتكبيها، لكن مواجهة الأفكار التي تمنح العنف مبرراته تحتاج إلى عمل أوسع، يبدأ من التعليم والأسرة والمؤسسات الدينية والثقافية، ولا ينتهي عند حدود المؤسسات الرسمية.ولعل أن جوهر المشكلة هو أن الجماعات المتطرفة لا تكتفي باستهداف ضحاياها، وأنما تسعى إلى فرض تصورها للمجتمع والدين والعلاقة بين أفراده، وهي حين ترفع شعارات دينية لتبرير العنف، تضع المجتمع أمام مسؤولية التمييز بين الدين الذي يقوم على الرحمة والعدل، وبين خطاب يوظف النصوص لخدمة أهدافه. ومن المعلوم أن الإسلام الذي عرفته مجتمعاتنا عبر قرون طويلة لم يكن دعوة إلى إقصاء الآخر، بل إطاراً للقيم التي تنظم علاقة الإنسان بغيره، وتحفظ كرامته وحقه في الحياة.وبناء عليه ، نستطيع القول أن تجديد الخطاب الديني ليس مسألة لغوية أو إجراءً مؤقتاً، وأنما ضرورة تتصل بقدرة المؤسسات الدينية على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغة تفهم أسئلتها وتناقش مخاوفها، فالشباب الذين يجدون أنفسهم أمام سيل من الأفكار المتناقضة يحتاجون إلى معرفة راسخة، وحوار جاد، ومؤسسات تمنحهم الثقة والقدرة على التمييز. وانما أكثر من ذلك فلا يكفي أن نطالبهم برفض التطرف؛ بل ينبغي أن نمنحهم الأدوات الفكرية التي تمكنهم من فهم أسبابه وكشف تناقضاته، فقد حملت رسالة عمّان، التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني، تأكيداً على الاعتدال والوسطية ورفض التكفير والغلو، وسعت إلى تقديم صورة الإسلام القائمة على التسامح واحترام الإنسان. وينبغي علينا التنبه إلى أهمية هذه المبادئ في وقت تتداخل فيه الصراعات السياسية مع الخطابات الدينية المتشددة، وتتحول فيه الهوية الدينية أحياناً إلى أداة للتعبئة والانقسام.أما الأردن، الذي يعيش في محيط إقليمي مضطرب، فيدرك أن استقراره لا ينفصل عن قوة جبهته الداخلية، وهذه القوة لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما أيضاً بالثقة المتبادلة بين المواطنين، واحترام التنوع، وتكريس المواطنة التي لا تميز بين أردني وآخر بسبب دينه أو معتقده.ولعل أن ما تقتضيه المرحلة الآن هو الانتقال من إدانة التطرف بعد وقوع الجريمة إلى بناء مناعة فكرية واجتماعية تحول دون تمدده، فالأمن الحقيقي ليس غياب الخطر وحده، وأنما وجود مجتمع يعرف كيف يواجهه من دون أن يفقد قيمه أو يسمح للخوف بأن يمس وحدته.ومن هنا تكمن أهمية التوجيهات الملكية في تحويل الحادثة إلى مراجعة جادة، والعمل على تجفيف منابع التطرف، وتعزيز دور العلم والفكر والمؤسسات الدينية، وترسيخ إسلام الاعتدال، فالأردن الذي يحمي أبناءه هو الأردن الذي يحمي في الوقت نفسه، المعنى الذي يجمعهم.هجوم كنيسة حمود وأسئلة مواجهة التطرف
مدار الساعة ـ