حين تُستهدف طهارة الكنيسة، لا تنفجر الحجارة غضباً، بل تتشح القرية بصمت الحكماء لتصنع من وجعها درعاً للوطن.
حمّود تلك القريــة الهادئة في شمال شرقي الكرك، الوادعة بين كروم الزيتون ومساكنها الترابية الشاهدة على العراقة، لم تكن تبحث عن اختبارٍ لصلابتها، لكن الأقدار ساقت إليها امتحاناً قاسياً بين ألمٍ جَلَل أحدثته يد الغدر الآثمة، وبين وفاءٍ راسخ يتجاوز الجراح. وحين انتفضت الأصالة بلسان كبارها وشبابها ونسائها، أعلنتها مدوّية إن الوطن يعلو ويسمو فوق كل الجراح.وجاءت ردة الفعل الصارمة لِتُفهِم أولئك الذين يسعون إلى الفتنة بأياديهم الآثمة ظناً منهم أن أجساد الأبرياء وقدسية دور العبادة يمكن أن تكون مسرحاً لزرع الفرقة أو شق الصف الوطني - أنّ الأهل في هذا الوطن، على تنوع أطيافهم ومكوناتهم، أصلبُ من الشدائد وأكبر من المؤامرات؛ فكان المشهد تلاحماً بشرياً أردنياً خالصاً يجسد أبهى صور التماسك والأخوّةوإنّ أصدق ما يبرهن ذلك، تلك التفاصيل الإنسانية المضرجة بالدم على أرض الواقع؛ حين امتزجت دماء جرحى جاءوا للمشاركة في تشييع الجناز الذي كان سبباً في اجتماع أهالي القرية ومواساة إخوتهم المسيحيين في واجب اجتماعي نابع من عمق العِشرة، فأصيبوا وهم يؤدون دَين الجوار، لتؤكد تلك الدماء الممتزجة هناك أن الأخوّة الأردنية واقعٌ حيّ وليست مجرد شعارات.فترابطُ النسيج الاجتماعي الأردني ليس نظرياتٍ تُدرّس، بل واقعٌ نعيشه يومياً في مدن هذا الوطن الاشم وقراه ومخيماته. وبحكم سكني اليوم بين إخوة مسيحيين من مختلف العشائر في مادبا — هذه المدينة التي تجسد الفسيفساء في أرضها وفي نسيجها الاجتماعي — أستحضر دائماً روابط الصداقة وعلاقات الجوار الصادقة التي تربطنا بأهالي قرية حمّود والسماكية. فالجيرة الحقيقية لا تسقط بالتقادم ولا تبددها الأبعاد، وما أصاب أهلنا هناك يوقظ فينا حقيقة حاسمة أن التطرف ليس مجرد رأي نختلف معه، بل خطر يتسلل إلى النفوس إن غفلت المجتمعات عن صيانة وعيها.فـالعدو الخارجي معروفٌ ونواياه مكشوفة القناع ، لكنّ الخطر الأعتى يكمن في الأفكار الهدامة التي تسعى لبث الريبة بين الجيران وتفخيم الهويات الضيقة. فحماية الأردن واستقراره لا تتحققان فقط بالمقاربة الأمنية على أهميتها وجاهزيتها، بل بوعيٍ مجتمعيٍ صارم يرفض خطاب الكراهية، ويجرّد المتطرفين من أي بيئةٍ حاضنة.واليوم، تجسد هذه القرية الوادعة بألمها وجرحها النازف وهي تودع شهداءها للرفيق الأعلى، عنواناً للكرامة، ونبضاً وطنياً جامعاً نستلهم منه كأردنيين جميعاً أعمق العِبر في الولاء والانتماء والوقوف إلى صف الوطن، متمثلين عراقة الأردن وأصالة أبنائه في تساميهم فوق أوجاعهم، وكأن لسان حال أبناء واهالي قرية حمّود يصدح بالشموخ:نَطَأُ الجِرَاحَ وَلِلأَوْطَانِ هَيْبَتُهَا ... فَالْمَجْدُ يَعلُو، وَجُرْحُ الحُرِّ يَلْتَئِمُصَمْتُ الرِّجَالِ بِـ "حَمُّودٍ" لَهُ حِكَمٌ ... والـدَّامِيَاتُ عَلَى أَعْتَابِهَا شِيَمٌرحم الله الشهداء الذين قضوا، وشافى الجرحـــى، وحفظ هذا البلد وقيادته الهاشمية عصياً على الفتنة، ثابتاً بوحـدة أهله ووعيهم.'حمود' عنوان الكرامة والوعي المجتمعي
د. يوسف المواضية
أكاديمي وباحث في الإدارة الاستراتيجية
أكاديمي وباحث في الإدارة الاستراتيجية
مدار الساعة ـ