إن ما حدث من جريمة بحق الإنسانية في قرية حمود يعيدني إلى مقال كتبته ونشرته سابقًا بعنوان "الكتابة بين الحرية والوصاية". لم تكن الفكرة التي انطلقت منها يومذاك محصورة في حق الكاتب في التعبير، أو في حق القارئ في الاختلاف مع ما يقرأ، بل كانت تتصل بسؤال أعمق: ماذا يحدث حين يعتقد بعض الناس أن من حقهم فرض أفكارهم ومعتقداتهم على الآخرين، وأن الاختلاف معهم يبيح لهم الاعتداء عليهم؟
قد يبدو الانتقال من حرية الكتابة إلى جريمة تستهدف أناسًا آمنين انتقالًا بين قضيتين مختلفتين، لكن ما يجمعهما هو رفض منطق الإكراه، حين يتحول الاعتقاد إلى وصاية، والاختلاف إلى تهمة، والإنسان المختلف إلى هدف مشروع للعنف. فالحرية لا تتجزأ، وحق الإنسان في الحياة والأمان والكرامة لا يقل قداسة عن حقه في التفكير والتعبير والاختلاف.من هنا أعود إلى هذا المقال، لا بوصفه نصًا عن حرية الأدب وحدها، بل بوصفه موقفًا من كل عقلية ترى في الآخر خطرًا لمجرد أنه مختلف، وتستبدل بالحوار الإقصاء، وبالحجة التهديد، وبالاختلاف اعتداءً على الإنسان.مقال: الكتابة بين الحرية والوصايةمن أكثر الأمثلة دلالة على أن الكاتب الحقيقي لا يستطيع أن يجعل رضا الآخرين ميزانًا لكتابته، ما جرى مع نجيب محفوظ في روايته "أولاد حارتنا"، تلك الرواية التي أثارت منذ نشرها جدلًا واسعًا، وواجهت اعتراضات دينية حادة، واعتبرها بعض التيارات الدينية إساءة إلى المقدسات وتجديفًا في حق الإسلام، حتى انتهى الأمر إلى التحريض على قتله، فتعرّض محفوظ في عام 1994 لمحاولة اغتيال طعنه فيها أحد المتشددين في عنقه.والأمر نفسه، وإن اختلفت الملابسات والتفاصيل، وقع مع سلمان رشدي وروايته "آيات شيطانية"؛ فقد أثارت الرواية منذ صدورها عام 1988 عاصفة من الاحتجاجات في بعض دول العالم، وأصدر آية الله روح الله الخميني عام 1989 فتوى بهدر دم رشدي، وظل الرجل مطاردًا لسنوات طويلة، إلى أن تعرّض عام 2022 لهجوم بالطعن أثناء إلقائه محاضرة في الولايات المتحدة، وأصيب في العنق إصابة بالغة.وهنا تبرز المفارقة القاسية: كاتبان، وروايتان، وقراءتان متعارضتان للعمل الأدبي، ثم عنف يتجاوز النقد إلى محاولة إسكات الجسد نفسه. وكأن بعض المتشددين حين يعجزون عن مواجهة الفكرة بالحجة، يبحثون عن وسيلة أخرى لإسكات صاحبها.لكن التاريخ الثقافي يقول لنا شيئًا آخر.إن محاولة قتل الكتاب أو الكاتب لا تقتل الفكرة، بل قد تمنحها عمرًا جديدًا. وما أراده المتطرفون أن يكون إسكاتًا، تحول، على نحو ساخر ومؤلم، إلى دعاية مجانية للأعمال التي حاربوها. فقد أصبح الجدل المحيط بالروايتين سببًا في إعادة الاهتمام بهما، وازداد فضول القراء لمعرفة ما الذي كتب فيهما، وما الذي أثار كل ذلك الغضب حولهما.وهنا تتحول الرقابة العنيفة إلى نقيض مقصدها؛ فبدل أن تمنع القارئ من الوصول إلى الكتاب، تدفعه إلى البحث عنه.فالكتاب الذي كان يمكن أن يبقى محصورًا في دائرة القراء والباحثين، قد يتحول بفعل المنع والمطاردة والفتاوى والضجيج إلى عنوان عالمي، تتسابق دور النشر على طباعته وترجمته، ويصبح اسمه حاضرًا في الصحافة والجامعات والندوات والحوارات الفكرية.وهكذا تثبت التجربة مرة أخرى أن الفكرة لا تُقتل بالسلاح، وأن الكتاب لا يُهزم بالسكين.بل إن محاولة إسكات الكاتب قد تجعل صوته أعلى، ومحاولة حجب الكتاب قد تدفع مزيدًا من الناس إلى قراءته. وفي ذلك مفارقة تستحق التأمل: الذين أرادوا أن يدفنوا كتابًا تحت التراب، ربما كانوا هم الذين حملوه إلى أيدي أجيال لم تكن تعرف عنه شيئًا.وهنا تصح، في جانب منها، المقولة الشعبية القديمة: "كل ممنوع مرغوب".غير أن المسألة في جوهرها أخطر من مجرد فضول تجاه الممنوع؛ إنها تكشف خطورة تحويل الاختلاف الفكري والأدبي إلى معركة عقائدية يُستبدل فيها الحوار بالعنف، والنقد بالتحريض، والحجة بالسكين.فالكاتب قد يخطئ، وقد يسيء التقدير، وقد يختلف معه القارئ، وقد يرى الناقد في عمله خللًا فكريًا أو فنيًا أو حتى إساءة إلى معتقد يعتز به؛ لكن الرد على الكتاب لا يكون بقتل صاحبه، وإنما بكتاب آخر، وبحجة أقوى، وبنقد أكثر عمقًا، وبحوار يتيح للفكرة أن تواجه الفكرة.أما حين يصبح السكين أداةً للنقد، فإننا لا نكون قد انتصرنا للدين ولا للحقيقة، وإنما نكون قد انتصرنا للعنف، وقدمنا إلى العالم صورة مشوهة عن قدرتنا على الاختلاف.والأخطر أن التطرف، حين يمارس العنف باسم الدين، لا يؤذي الكاتب وحده، ولا يستهدف الكتاب وحده؛ إنه يسيء إلى الدين الذي يزعم الدفاع عنه، ويمنح خصومه مادة جاهزة للحديث عن العنف والتعصب، ويحوّل حادثة أدبية إلى قضية عالمية تتجاوز حدود النص والكاتب والبلد.ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الدين والأدب، ولا بين المقدس والكاتب؛ وإنما بين ثقافة الحوار وثقافة الإقصاء، وبين من يؤمن بأن الاختلاف يمكن أن يُناقش، ومن يعتقد أن السكين أبلغ من الحجة.وفي النهاية، قد يموت الكاتب، وقد يتعرض الكتاب للمنع، وقد تُغلق الأبواب أمام الرواية، لكن الفكرة إذا وجدت قارئًا واحدًا يؤمن بحقها في الوجود، فإنها تظل قادرة على العبور من جيل إلى جيل.وهذه هي المفارقة التي لا يتعلمها المتطرفون: حين تحاول قتل كتاب، قد تكون أنت من يمنحه الحياة.من 'أولاد حارتنا' إلى قرية حمود: مأساة الوصاية
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
من 'أولاد حارتنا' إلى قرية حمود: مأساة الوصاية
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ