أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

التطرف لماذا نسبقه بكلمة فكر؟


حسان عمر ملكاوي

التطرف لماذا نسبقه بكلمة فكر؟

مدار الساعة ـ

تتكرر في خطابنا الإعلامي والثقافي مصطلحات مثل ( الفكر التكفيري ) و( الفكر المتطرف ) ، وذلك في سياق إدانة الإرهاب والعنف ورفض إقصاء الآخر ، وهي تعبيرات شائعة في الاستخدام ، لكن تكرارها يدعونا إلى التساؤل : هل نُحسن اختيار كلماتنا حين نسبق كلمة التطرف، بما يحمله من ممارسات مدمرة ومرفوضة ، بكلمة ( فكر ) التي تحمل من المعاني والرمزية ما يستحق منا التوقف والتأمل؟

فالفكر ، في جوهره ، قدرة إنسانية على التأمل والتحليل والنقد والإبداع ، وهو أساس المعرفة والتقدم ، وأداة لفهم الاختلاف وإدارة الحوار وتصحيح الأخطاء وصناعة الحلول ، و بالفكر تُبنى الحضارات ، وتتطور المجتمعات ، وتتسع آفاق الإنسان نحو مستقبل أفضل ، ومن هنا ، فإن كلمة ( فكر) ليست مجرد وصف وحسب ، بل مفهوم يرتبط بالعقل والمعرفة والوعي والإبداع .

ولا يعني ما سبق أن مصطلحات مثل ( الفكر المتطرف ) خاطئة أو أن استخدامها غير جائز ، و إنما يتعلق الأمر بدقة التعبير ومسؤوليته ، وبضرورة التمييز بين الفكر بوصفه نشاط عقلي ، وبين المضمون الذي تحمله بعض التصورات ، والمنهج الذي تتبناه ، والسلوك الذي قد ينتج عنها .

والمشكلة ليست في التفكير ، بل المشكلة حين يوظَّف لتبرير التكفير ، و للتحريض على الكراهية ، ورفض الآخر ، و سلبه حقوقه ، أو تسويغ العنف والاعتداء على الإنسان ، وعندها ، أليس من الأدق ، في كثير من السياقات ، أن نتحدث عن (منهج التكفير) ، و(خطاب التطرف)، و(أيديولوجيا الإقصاء) ، و( التحريض على العنف ) ؟

و هذه التعبيرات تحدد موضع الخلل بصورة أوضح ، وتوجّه المواجهة نحو النهج والخطابات التي تبرر الكراهية والعنف ، بدلًا من ربط مفهوم الفكر ، على إطلاقه ، بهذه الممارسات ، لكن عموما المهم كيف نواجه التطرف عمليًا ؟

إن المواجهة الحقيقية لا تقتصر على الإدانة أو المعالجة الأمنية ، على أهميتها في حماية المجتمع ، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من التعليم ، بتعزيز التفكير النقدي ، وتنمية قدرة الأجيال على التمييز بين الحقيقة والتضليل ، ومناقشة الطرح بالحجة والدليل ، وتمتد المسؤولية إلى الأسرة ، التي تؤسس قيم الاعتدال والاحترام وقبول الاختلاف ، وإلى المؤسسات الدينية ، التي تتحمل مسؤولية ترسيخ الفهم الصحيح للدين ومواجهة خطاب الكراهية والتكفير .

كما تقع على الإعلام مسؤولية كبيرة في اختيار المصطلحات بدقة ، و علينا جميعا عدم منح خطابات التحريض مساحة تروّج لها ، وايضا هناك دور ومسؤولية للمؤسسات الثقافية والشبابية في توفير بيئات للحوار والمشاركة ، وتعزيز الانتماء الوطني .

ومواجهة التطرف حتما لا تعني ولا تكون بمنع السؤال أو مصادرة التفكير ، وإنما بفتح أبواب المعرفة ، وتفنيد المغالطات ، وترسيخ ثقافة الحوار واحترام كرامة الإنسان وحقوقه .

إن غايتنا مما سبق ، ليست إلغاء مصطلح متداول أو التشدد في استخدام اللغة ، بل الدعوة إلى وعي أكبر بما تحمله الكلمات من دلالات وتأثيرات ، فنحن لا نحتاج إلى إضعاف قيمة الفكر في مواجهة التطرف ، بل نحتاج إلى تعزيز مكانته ، وتأكيد دوره في بناء المجتمعات و كشف التعصب ومقاومة التضليل ، فالمشكلة ليست في الفكر بحد ذاته ، بل في مضمون يبرر الكراهية ، ومنهج يقصي الآخر ، وخطاب يحرض على العنف ، وممارسة تنتهك حقوق الإنسان ، ولأن الكلمة مسؤولية ، فإن دقة المصطلح ليست ترف لغوي ، بل جزء من الوعي الذي نحتاجه في مواجهة التطرف . فلنحارب التطرف بأدوات الفكر الواعي ، و لنحفظ للفكر قيمته و رمزيته بوصفه طريق للمعرفة والبناء ، وليس عنوان يرتبط ولو لغويا بكل ما نرفضه وندينه .

مدار الساعة ـ