تتكرر في خطابنا الإعلامي والثقافي مصطلحات مثل ( الفكر التكفيري ) و( الفكر المتطرف ) ، وذلك في سياق إدانة الإرهاب والعنف ورفض إقصاء الآخر ، وهي تعبيرات شائعة في الاستخدام ، لكن تكرارها يدعونا إلى التساؤل : هل نُحسن اختيار كلماتنا حين نسبق كلمة التطرف، بما يحمله من ممارسات مدمرة ومرفوضة ، بكلمة ( فكر ) التي تحمل من المعاني والرمزية ما يستحق منا التوقف والتأمل؟
فالفكر ، في جوهره ، قدرة إنسانية على التأمل والتحليل والنقد والإبداع ، وهو أساس المعرفة والتقدم ، وأداة لفهم الاختلاف وإدارة الحوار وتصحيح الأخطاء وصناعة الحلول ، و بالفكر تُبنى الحضارات ، وتتطور المجتمعات ، وتتسع آفاق الإنسان نحو مستقبل أفضل ، ومن هنا ، فإن كلمة ( فكر) ليست مجرد وصف وحسب ، بل مفهوم يرتبط بالعقل والمعرفة والوعي والإبداع .ولا يعني ما سبق أن مصطلحات مثل ( الفكر المتطرف ) خاطئة أو أن استخدامها غير جائز ، و إنما يتعلق الأمر بدقة التعبير ومسؤوليته ، وبضرورة التمييز بين الفكر بوصفه نشاط عقلي ، وبين المضمون الذي تحمله بعض التصورات ، والمنهج الذي تتبناه ، والسلوك الذي قد ينتج عنها .والمشكلة ليست في التفكير ، بل المشكلة حين يوظَّف لتبرير التكفير ، و للتحريض على الكراهية ، ورفض الآخر ، و سلبه حقوقه ، أو تسويغ العنف والاعتداء على الإنسان ، وعندها ، أليس من الأدق ، في كثير من السياقات ، أن نتحدث عن (منهج التكفير) ، و(خطاب التطرف)، و(أيديولوجيا الإقصاء) ، و( التحريض على العنف ) ؟ و هذه التعبيرات تحدد موضع الخلل بصورة أوضح ، وتوجّه المواجهة نحو النهج والخطابات التي تبرر الكراهية والعنف ، بدلًا من ربط مفهوم الفكر ، على إطلاقه ، بهذه الممارسات ، لكن عموما المهم كيف نواجه التطرف عمليًا ؟إن المواجهة الحقيقية لا تقتصر على الإدانة أو المعالجة الأمنية ، على أهميتها في حماية المجتمع ، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من التعليم ، بتعزيز التفكير النقدي ، وتنمية قدرة الأجيال على التمييز بين الحقيقة والتضليل ، ومناقشة الطرح بالحجة والدليل ، وتمتد المسؤولية إلى الأسرة ، التي تؤسس قيم الاعتدال والاحترام وقبول الاختلاف ، وإلى المؤسسات الدينية ، التي تتحمل مسؤولية ترسيخ الفهم الصحيح للدين ومواجهة خطاب الكراهية والتكفير .كما تقع على الإعلام مسؤولية كبيرة في اختيار المصطلحات بدقة ، و علينا جميعا عدم منح خطابات التحريض مساحة تروّج لها ، وايضا هناك دور ومسؤولية للمؤسسات الثقافية والشبابية في توفير بيئات للحوار والمشاركة ، وتعزيز الانتماء الوطني .ومواجهة التطرف حتما لا تعني ولا تكون بمنع السؤال أو مصادرة التفكير ، وإنما بفتح أبواب المعرفة ، وتفنيد المغالطات ، وترسيخ ثقافة الحوار واحترام كرامة الإنسان وحقوقه .إن غايتنا مما سبق ، ليست إلغاء مصطلح متداول أو التشدد في استخدام اللغة ، بل الدعوة إلى وعي أكبر بما تحمله الكلمات من دلالات وتأثيرات ، فنحن لا نحتاج إلى إضعاف قيمة الفكر في مواجهة التطرف ، بل نحتاج إلى تعزيز مكانته ، وتأكيد دوره في بناء المجتمعات و كشف التعصب ومقاومة التضليل ، فالمشكلة ليست في الفكر بحد ذاته ، بل في مضمون يبرر الكراهية ، ومنهج يقصي الآخر ، وخطاب يحرض على العنف ، وممارسة تنتهك حقوق الإنسان ، ولأن الكلمة مسؤولية ، فإن دقة المصطلح ليست ترف لغوي ، بل جزء من الوعي الذي نحتاجه في مواجهة التطرف . فلنحارب التطرف بأدوات الفكر الواعي ، و لنحفظ للفكر قيمته و رمزيته بوصفه طريق للمعرفة والبناء ، وليس عنوان يرتبط ولو لغويا بكل ما نرفضه وندينه .التطرف لماذا نسبقه بكلمة فكر؟
مدار الساعة ـ