أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الكرك ليست حادثة عابرة.. حين تترك المؤسسات فراغًا يملؤه التطرف


فهد الحسبان

الكرك ليست حادثة عابرة.. حين تترك المؤسسات فراغًا يملؤه التطرف

مدار الساعة ـ

ما شهدته الكرك يوم الجمعة يضعنا أمام مسؤولية تتجاوز إدانة الإرهاب وملاحقة مرتكبيه، إلى مراجعة أعمق لقدرتنا الوطنية على حماية المجتمع من الأفكار التي تهدد وحدته واستقراره. فاستهداف المواطنين والمساس بالنسيج الوطني الأردني ليس اعتداءً على أفراد فحسب، بل مساس بفكرة الدولة القائمة على المواطنة وسيادة القانون، وبالعلاقة التي تجمع الأردنيين على اختلاف أديانهم ومناطقهم وخلفياتهم الاجتماعية.

والدولة التي تواجه الإرهاب بحزم، مطالبة في الوقت ذاته بالاستثمار في الوقاية منه؛ فحماية الاستقرار لا تبدأ عند وقوع الجريمة، بل قبلها بوقت طويل، من خلال مؤسسات حاضرة في حياة الناس، وسياسات تستوعب التحولات الاجتماعية، وفرص تمنح الأجيال الجديدة أسبابًا حقيقية للثقة بالمستقبل.

هناك قاعدة تقول إن الطبيعة تملأ الفراغ، وهي قاعدة تنطبق على الوعي والعلاقات الاجتماعية بقدر ما تنطبق على المكان. فعندما تتراجع المؤسسات التي يفترض أن تحتضن الشباب، وتغيب المساحات التي تسمح لهم بالمشاركة وتحقيق الذات، فإن الفراغ لا يبقى فارغًا بالضرورة؛ بل قد تملؤه خطابات متشددة تستثمر في الإحباط، وتمنح الشباب هويات مغلقة وتفسيرات مضللة لمعاناتهم.

وتتضاعف حساسية هذه المسألة حين نتحدث عن شباب الأطراف؛ فالمسافة بين العاصمة وبعض المناطق ليست جغرافية فقط، بل قد تتحول، بفعل تفاوت الفرص وضعف الوصول إلى مؤسسات المشاركة، إلى مسافة سياسية واجتماعية ونفسية تفصل الشباب عن الشعور بأنهم شركاء متساوون في مشروع الدولة. والشباب لا يولدون متطرفين، لكن إقصاءهم وانسداد الأفق أمامهم قد يهيئان بيئة تستثمر فيها أفكار التطرف والكراهية. فالصراع الحقيقي ليس على استقطاب الشباب إلى الأنشطة، بل على من يشكّل وعيهم، ومن يمنحهم معنى للانتماء، ومن يقنعهم بأن المستقبل يستحق أن يكونوا جزءًا من صناعته.

وقد شهد المجتمع الأردني تحولات متسارعة في أنماط التواصل والتأثير، وفي طبيعة العلاقات بين الأجيال، وفي التوقعات الاقتصادية والاجتماعية للشباب. وفي ظل هذه التحولات، لم تعد الأطر التقليدية وحدها كافية لمواجهة جميع التحديات، ولم يعد مقبولًا افتراض أن الأسرة أو المدرسة أو العشيرة تستطيع منفردة سد الفجوات التي قد تنشأ عن غياب السياسات المؤسسية الفاعلة.

فحين لا تواكب المؤسسات الحكومية هذه التحولات، لا يتوقف التأثير في الشباب، بل تنتقل مساحة التأثير إلى مصادر أخرى، بعضها لا يحمل بالضرورة مصلحة المجتمع أو الدولة. وهنا تكمن حساسية العلاقة بين الشباب والمؤسسات التي ترعاهم: إنها ليست مسألة خدمات وأنشطة فحسب، بل مسألة ثقة وانتماء وقدرة على التأثير. فالمؤسسة التي تتعامل مع الشباب بوصفهم جمهورًا ينبغي استقطابه تختلف عن المؤسسة التي تعترف بهم شركاء في تحديد الأولويات وصناعة الحلول.

ومن هذا المنطلق، تبرز مسؤولية وزارة الشباب بوصفها إحدى البوابات المؤسسية المهمة بين الدولة والأجيال الجديدة. ولا يعني ذلك تحميلها وحدها مسؤولية مواجهة التطرف، فهذه مسؤولية وطنية مشتركة تتكامل فيها الأدوار الأمنية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ لكن موقع الوزارة يفرض عليها أن تنتقل من إدارة الأنشطة إلى بناء سياسات شبابية قادرة على الوصول والتأثير، ومن قياس النجاح بعدد الفعاليات إلى قياسه بمدى المشاركة الحقيقية التي تنتج عنها.

إن المطلوب من الوزارة أن تذهب إلى الشباب الذين لا تصلهم برامجها، وأن تجعل مراكزها منصات للحوار والمبادرة والتثقيف السياسي والعمل المجتمعي، وأن تمنح شباب القرى والبوادي والألوية مساحة فعلية للمشاركة في تحديد احتياجاتهم ومتابعة الحلول المتعلقة بهم. فالمؤسسة العامة لا تُقاس فقط بما تقدمه لمن يستطيع الوصول إليها، بل أيضًا بقدرتها على الوصول إلى من هم أبعد عنها.

وهنا تتصل مسؤولية وزارة الشباب بمسارات التحديث السياسي. فالتحديث الذي أراد توسيع المشاركة وتعزيز الحياة الحزبية والبرلمانية لا ينبغي أن يبقى حبيس التشريعات والخطط، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية تصل إلى المجتمع، وتمنح الشباب أدوات الحوار والاختلاف والعمل السياسي المنظم. وليس دور الوزارة أن توجه الشباب نحو حزب أو تيار بعينه، وإنما أن تهيئ بيئة محايدة تساعدهم على فهم حقوقهم الدستورية وممارسة المشاركة الديمقراطية بوعي ومسؤولية.

لكن المشاركة السياسية لا تنفصل عن التمكين الاقتصادي والدمج الاجتماعي. فلا يمكن أن نطالب الشاب بالإيمان بالمستقبل إذا ظلت فرص العمل والتدريب والمبادرة بعيدة عن متناوله، ولا يمكن أن نبني مواطنة راسخة إذا شعر بعض الشباب بأن مواقعهم الجغرافية أو ظروفهم الاجتماعية تحد من فرصهم في الوصول والتأثير. ولذلك، فإن المطلوب هو تنسيق مؤسسي حقيقي بين وزارة الشباب والجهات المعنية بالتعليم والعمل والتنمية الاجتماعية والبلديات والجامعات والقطاع الخاص، حتى تتحول البرامج إلى مسارات متكاملة للفرص والمشاركة، لا تدخلات متفرقة تنتهي بانتهاء النشاط.

ومن مقتضيات هذه المسؤولية أن تمتلك الوزارة مؤشرات واضحة تقيس وصول البرامج إلى الأطراف، ومستوى مشاركة الشباب في تصميمها، وقدرتها على ربطهم بالفرص الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. كما ينبغي أن تكون هناك مراجعة دورية للنتائج، وأن يُتاح للشباب التعبير عن تقييمهم للبرامج التي تستهدفهم. فالمؤسسات التي تريد تعزيز الثقة لا تكتفي بالحديث عن إنجازاتها، بل تقيس أثرها وتراجع أداءها وتصحح مسارها.

إن التحدي الذي نواجهه اليوم ليس أمنيًا فقط، ولا يجوز اختزاله في معالجة مظاهر التطرف بعد وقوعها؛ إنه أيضًا تحدٍ يتعلق بقدرة الدولة ومؤسساتها على إدارة التحولات الاجتماعية، وتعزيز المناعة الفكرية، وترسيخ المواطنة، وإبقاء قنوات المشاركة مفتوحة أمام الأجيال الجديدة. وهذه مسؤولية لا تنتقص من دور المؤسسات الأمنية، بل تكمله، لأن الاستقرار المستدام يحتاج إلى القانون الذي يردع الجريمة، وإلى السياسات التي تقلل فرص انتشار الأفكار التي تبررها.

الكرك تذكّرنا بأن وحدتنا الوطنية ليست شعارًا يُرفع في الأزمات، بل مسؤولية تتطلب عملًا مستمرًا في التعليم والثقافة والسياسة والتنمية، وفي كل مساحة يتشكل فيها وعي المواطن وعلاقته بوطنه. كما تذكّرنا بأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الخطر حين يظهر، بل بقدرتها على استباق أسبابه، وقراءة التحولات قبل أن تتراكم، والوصول إلى مواطنيها قبل أن تبتعد المسافة بينهم وبين مؤسساتهم.

إن إقصاء شباب الأطراف لا يعني أننا نخسر فرصة إشراكهم فحسب، بل إننا نترك مساحة في حياتهم ووعيهم قد تسعى أفكار متطرفة إلى ملئها. ومسؤولية الدولة أن تملأ هذه المساحة بالمواطنة والفرص والمشاركة والثقة، لا أن تتركها للصدفة. فالشباب ليسوا ملفًا إداريًا، بل ركيزة من ركائز الأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي ومستقبل الدولة.

مدار الساعة ـ