أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

'جريمة الكنيسة'.. من يريد إشغال الأردن؟


مكرم الطراونة

'جريمة الكنيسة'.. من يريد إشغال الأردن؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

يصعب النظر إلى الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة قرية حمود في الكرك بمعزل عن الظروف التي يمر بها الأردن، والتحديات التي تحيط به من مختلف الجهات. فالجريمة، بما انطوت عليه من بشاعة واستهتار بأرواح الأبرياء، تثير أسئلة تتجاوز هوية منفذيها ودوافعهم المباشرة، لتصل إلى توقيتها، والبيئة السياسية والإقليمية التي وقعت فيها، والجهات التي يمكن أن تستفيد من إرباك الداخل الأردني، وإشغاله بصراعات لا تخدم سوى المتربصين بأمنه واستقراره.

الأردن يقف وسط إقليم تتغير خرائطه السياسية، وعلى امتداد حدوده، تتزاحم الأزمات والمشروعات السياسية والأمنية، فيما يواجه ضغوطا اقتصادية واجتماعية لا يمكن فصلها عن هذه البيئة المضطربة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح تماسك الجبهة الداخلية أحد أهم عناصر القوة التي يمتلكها البلد، ويغدو استهداف هذا التماسك، سواء بالإرهاب أو بإثارة الانقسامات، محاولة للمساس بقدرته على مواجهة التحديات الخارجية.

كل ذلك يقود إلى تساؤلات جدية عن توقيت الجريمة، وما إذا كنا أمام عمل إرهابي معزول، أم يحمل ارتباطات تتجاوز المنفذين، وتسعى إلى فرض إيقاع سياسي وأمني على الأردن.

نعلم أنه لا يجوز استباق نتائج التحقيقات، لكن الحذر من توظيف الإرهاب في خدمة أجندات أوسع يظل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، خصوصا أن هناك مشروعات إقليمية ظلت تنظر إلى الأردن بوصفه مساحة يمكن تحميلها أعباء أزمات الآخرين، وبما يخدم تصورات سياسية لا تنطلق من مصالح الأردنيين، بعضها ارتبط بأحلام التوسع والتهجير وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة. لذلك، فإنّ أيّ محاولة لإضعاف الدولة الأردنية، أو استنزاف مجتمعها في خلافات داخلية، تثير مخاوف مشروعة، حتى وإن لم تتوافر أدلة تربط هذه الجريمة تحديدا بتلك المشروعات.

وسط هذه الظروف، لا بد من وعي أردني كبير بمثل هذه المخططات، فالإرهاب يحقق غاياته بما يتركه من خوف وشكوك وانقسامات، خصوصا إن نجح في دفع المواطنين إلى تبادل الاتهامات، أو النظر إلى بعضهم من خلال انتماءاتهم الدينية والاجتماعية، وهو أمر سيشكل خسارة كبيرة، وتحديات خطيرة حتى لو انتهى منفذوه قتلى أو خلف القضبان.

تفويت الفرصة على مثل هذه المخططات يكون بإدراك أن الوحدة الوطنية ليست شعارا، فهو ممارسة يومية وقناعة راسخة تقوم على المواطنة المتساوية، واحترام الاختلاف، والثقة بالمؤسسات، وسيادة القانون.

إننا اليوم في أمسّ الحاجة لمواجهة الفكر المتطرف في منابعه، وتجفيف البيئة التي تسمح للكراهية بالنمو، وعدم التساهل مع الخطاب الذي يمنح العنف مبررات دينية أو سياسية، وأن تكون الثقافة والتعليم والخطاب الديني المستنير هي الأدوات التي نواجه بها الأفكار التي تصنع التطرف.

لكنّ الصورة التي قدمها الأردنيون عقب الجريمة كانت أبلغ رد على من راهن على إثارة الفتنة، فقد ظهر التضامن مع الضحايا وذويهم عفويا، ولم يكن يحتاج لتعليمات أو شعارات، فالاعتداء على الكنيسة، في وعي الأردنيين، مثّل جرحا أصاب المجتمع كله.

هذه الصورة تستحق أن نتأملها جيدا، ففي اللحظات التي أراد فيها الإرهاب أن يزرع الخوف والفرقة، استعاد الأردنيون معنى العيش المشترك، وأكدوا دماء الأبرياء لا يمكن تصنيفها وفق ديانات أصحابها.

لكن التضامن، على أهميته، لا يكفي إن بقي استجابة عاطفية مؤقتة، والمطلوب تحويله إلى وعي وطني دائم، يحمي المجتمع من التحريض، ويجمعهم حول دولتهم ومصالحهم العليا.

لا يمكن لأيّ بلد أن يخلو من التحديات، لكن إذا كان الإرهابيون قد أرادوا من جريمتهم أن يفتحوا ثغرة في الجدار الوطني، فإن مسؤولية الأردنيين اليوم أن يجعلوا من هذه المحنة سببا إضافيا لتحصين بلدهم.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ