أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين نزل الملك إلى الكرك


د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة

حين نزل الملك إلى الكرك

د.م. عالية رضوان الغصون
د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة
مدار الساعة ـ

قراءة سياسية في دلالات الحضور الملكي ومعاني الوحدة الوطنية

في اللحظات الفاصلة من حياة الدول، لا تكون المواقف الكبرى بحاجة إلى كثير من الكلمات، فثمة مشاهد تختصر فلسفة الحكم، وتكشف طبيعة القيادة، وتعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع. وحين ينزل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين إلى الكرك عقب الأحداث المؤلمة التي شهدتها الكنيسة، فإن المشهد يتجاوز حدود زيارة ميدانية فرضتها ظروف استثنائية، ليحمل في مضمونه رسائل سياسية وأمنية ووطنية عميقة، تؤكد أن الدولة الأردنية، بقيادتها الهاشمية، تدرك أن مواجهة الإرهاب لا تبدأ من الإجراءات الأمنية وحدها، وإنما من الحضور في قلب الحدث، وصون الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، وحماية النسيج الوطني من محاولات الاختراق والتفتيت. لم يكن نزول الملك إلى الكرك مجرد استجابة لحادث أمني، بل كان تعبيرًا عن مفهوم راسخ في فلسفة القيادة الهاشمية، يقوم على أن مسؤولية الحكم لا تُمارس من مسافة بعيدة عن الناس، وأن هيبة الدولة لا تُختزل في سلطتها، بل تتجلى كذلك في قدرتها على احتضان مواطنيها عندما تشتد المحن. ففي أوقات الأزمات، تصبح الرمزية السياسية للحضور المباشر أكثر تأثيرًا من عشرات البيانات والتصريحات، لأن المواطن الذي يرى قيادته إلى جانبه يستعيد شعورًا عميقًا بأن الدولة حاضرة، وأن أمنه وكرامته ليسا مجرد التزام دستوري، بل أولوية وطنية عليا..

وهنا تتجلى إحدى أهم الرسائل السياسية للزيارة؛ فالملك لم يحضر بوصفه رأس السلطة التنفيذية في مواجهة حادث أمني فحسب، وإنما بوصفه رأس الدولة والرمز الجامع لمكوناتها، مؤكدًا أن حماية الوحدة الوطنية مسؤولية سيادية لا تقل أهمية عن حماية الحدود ومواجهة التهديدات الخارجية. فالأمن الوطني في مفهومه الحديث لا يقتصر على سلامة الأرض والمؤسسات، وإنما يمتد إلى سلامة العلاقات الاجتماعية، واستقرار الوعي الجمعي، وثقة المواطنين بأن الدولة تحميهم جميعًا دون تمييز. وفي هذا السياق، تكتسب رمزية الزي العسكري الذي ظهر به جلالة الملك أهمية خاصة؛ إذ يمكن قراءتها باعتبارها رسالة حزم في مواجهة الإرهاب، وتأكيدًا على أن الدولة تمتلك الإرادة والمؤسسات اللازمة لحماية مواطنيها وملاحقة المعتدين. غير أن قوة المشهد لا تكمن في رمزية الزي العسكري وحدها، وإنما في اقترانها بالحضور الإنساني للقائد بين المصابين وأسر المتضررين. إنها صورة تختصر معادلة الدولة القوية: الحزم في مواجهة الجريمة، والرحمة في التعامل مع الضحايا، وسيادة القانون في إدارة تداعيات الحدث. وليس من المبالغة القول إن الأثر السياسي لمثل هذا الحضور يتجاوز اللحظة الآنية؛ إذ يسهم في تعزيز الثقة العامة بالمؤسسات، ويبعث برسالة إلى الداخل والخارج بأن الأردن يتعامل مع التهديدات التي تستهدف وحدته بوصفها تحديات وطنية شاملة، لا حوادث معزولة يمكن احتواؤها بالإجراءات التقليدية وحدها.

ولعل ما يميز الحضور الملكي في مثل هذه اللحظات أنه يعيد توجيه البوصلة الوطنية نحو جوهر القضية، بعيدًا عن الانفعالات العابرة أو محاولات استثمار الحدث في تأجيج الانقسامات. فحين تكون القيادة في قلب المشهد، يصبح المطلوب من مؤسسات الدولة والنخب السياسية والإعلامية والدينية أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية، وأن تسهم في حماية السلم المجتمعي، وتقديم خطاب عقلاني يجمع بين الحزم والوعي، وبين التضامن والالتزام بالقانون. إن الأردن، بحكم موقعه الجغرافي وتحديات محيطه الإقليمي، يدرك أن الاستقرار ليس حالة تلقائية، وإنما ثمرة تراكم طويل من بناء المؤسسات، وتعزيز الشرعية، وصيانة التوازنات الاجتماعية، وترسيخ الهوية الوطنية الجامعة. ومن هنا فإن أي محاولة لضرب التعايش الديني أو إثارة الانقسام الداخلي تمثل تهديدًا يتجاوز نتائجها المباشرة، لأنها تستهدف أحد أهم مصادر قوة الدولة الأردنية: تماسك مجتمعها.

والحقيقة أن الكرك، التي عرفها الأردنيون عنوانًا للعزة والكرامة والوفاء، أكبر من أن تختزلها جريمة، وأعمق من أن تهز هويتها رصاصات الغدر. فالمدن العريقة لا تقاس بما تتعرض له من محن، بل بما تمتلكه من قدرة على تجاوزها، وبما تقدمه من نماذج في التضامن والوعي والانتماء. لقد حمل نزول جلالة الملك إلى الكرك رسالة تتجاوز حدود المحافظة، وتصل إلى كل مدينة وقرية وبيت أردني، مفادها أن الوطن لا يترك أبناءه في مواجهة الخطر، وأن حماية الإنسان هي جوهر مسؤولية الدولة، وأن الوحدة الوطنية ليست شعارًا للاستهلاك السياسي، بل ركيزة وجودية ينبغي الدفاع عنها بالفعل والممارسة.

وإذا كان الإرهاب قد أراد من جريمته أن يزرع الخوف ويثير الانقسام، فإن الرد الوطني الأعمق يتمثل في أن يبقى الأردنيون أكثر تمسكًا بوحدتهم، وأكثر ثقة بمؤسساتهم، وأكثر إصرارًا على أن تظل دور العبادة جميعها فضاءات للأمان والسكينة، وأن تبقى المواطنة هي الهوية التي تجمع ولا تفرق. في الكرك، لم يكن المشهد مجرد ملك يزور مدينة أصابها الوجع، بل دولة تؤكد حضورها في لحظة امتحان، وقيادة تعيد تثبيت البوصلة الوطنية، ورسالة بأن الأردن، الذي بنى قوته على وحدة شعبه، لن يسمح للإرهاب بأن يحدد طبيعة العلاقة بين أبنائه. فحين ينزل الملك إلى الكرك، لا تكون الرسالة للكرك وحدها، بل للأردن كله: أن هيبة الدولة في حماية مواطنيها، وأن قوة الوطن في وحدته، وأن الرهان على تفريق الأردنيين سيظل رهانًا خاسرًا ما دامت المواطنة تجمعهم، والقانون يحميهم، والانتماء إلى الأردن يسمو فوق كل اختلاف. حفظ الله سيدنا جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وأدام عليه الصحة والعافية، وأبقاه سندًا وعزًا لهذا الوطن وأهله. إن محبتنا لسيدنا ليست كلمات تُكتب، بل شعور عميق يسكن القلب، ومحبة صادقة لقائد نعتز به ونفخر. أسأل الله أن يحفظه بعينه التي لا تنام، وأن يطيل في عمره، وأن يبقى الأردن آمنًا عزيزًا في ظل قيادته الهاشمية.

مدار الساعة ـ