أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم
عاصم البرقان.. من سمار بيوتنا

عاصم البرقان.. من سمار بيوتنا


د. عبدالباسط محمد الزيود

عاصم البرقان.. من سمار بيوتنا

مدار الساعة ـ

عرفته منذ سنين عشر وأزيد بقليل، تقدم بطلب لإشغال وظيفة أستاذ مساعد في كلية الآداب، وكنت عميدها آنذاك، دخل عليّ وسلّم " السلام عليكم و رحمة الله وبركاته " شاب في منتصف الأربعينات أسمر كلون جباهنا التي لوحتها شموس الحصايد الممتدة من القلب إلى القلب، فارع الطول كنخلة في خير جوارنا الكركي ، الذي تحار فيها فلا تعرف مسلماً من مسيحي ؛ كأنهم قد ولدوا من بطن واحد لكركيّة من المعايطة أو البقاعين .

رحبت به و كان قد عانى من عدم حصوله على فرصة تعيين لأنه خريج بولندا؛ فقلت له و ما يعيبها ؟ فأومأ إليّ بأدبه الجمّ بحركة من كتفيه؛ و قد حصل على الدرجة قبل ما يزيد عن سنين تزيد على العشر ؛ فاقتنعت، بعد حوار طويل ، بجدارته و استحقاقه للتعيين فساندته و أسندته؛ لا لأنه ضعيف التحصيل ، معاذ الله ، و لكن لأنه رجل أردني و شاب عصامي تعب على نفسه عانى كما عانينا و ذهب إلى بولندا ليكمل دراسته و يعود لبلده ككل الشجعان الذي يرودون العالم طلباً للعلم و المعرفة ليعودوا للمساهمة في بناء هذا الوطن الغالي !.

لم يكن التعيين سهلاً في تلك الحقبة من عمر الجامعة لظروف لا أستطيع الخوض فيها هنا ؛ ولكنني أخذت على عاتقي و دقيت على صدري و عظامي قوية بسند الله بأن يُعيّن ، و قد حصل و عُيِّن ، و هو ممن يصونون الود و يحفظون للرجال عهودهم ، لم يُغيّر و لم يتغيّر؛ كلما لقيني ذكرني بوقفتي معه حتى قبل شهر ، جرت محادثة بيني و بينه ، الله وحده يعلم، نبله فيها، وقد وعدني بزيارة لمكتبي و كنت ساعتها على سفر للإمارات فقلت له حينما أعود نلتقي فعدت ، و لم يكتب لنا الله اللقاء ؛ فقد مضى أبو دانيال إلى رب رحيم يحمل دمه البريء على جبينه الأسمر و قد طالته يد نذل لا يمس للعقيدة و الدين إلا بقدر ما غُذّيَّ من ظلالات باطلة و فريات جاهلية !.

هذبته الكرك بأخلاق رجالها الذين اعتلوا صهوة الخيل ليقفوا يوم مؤتة معلنين الفتح و كتاب القمح في سهول الكرك و أظن أن مؤتة قد تركت في الكركية من الهيّة و شومات إبراهيم الضمور و حتى معاذ الكساسبة و سائد المعايطة قد تركت فيهم بذار الشهامة و علو الكعب في صناعة الفرسان ، يخيطون الأرض بأكفّهم سنابل عزّ و راية نُبِل و ينظمون " سامرهم " بجدائل النشميات اللواتي عاهدنهم على جبال الكرك لا سفوحها بأن لا تهتز الكرك إلا للندى و أن تبقى كصدور السيوف في وجه العدا !.

شاء الله أن يكون ارتقاء عاصم و " اخوياه " من الكركية يوم الجمعة هذا اليوم المقدّس عند إخوانهم المسلمين في جنازة أخت لهم عُمّدت في درب المحبة من أهلها و ليرتقوا و هم في واجب إنساني فقد قيمته الأنذال و فقدوا فيه معاني الرجولة و الكرامة و الإنسانية لا ليتقربوا إلى الله ، كما يعتقدون ، و إنما ليطردوا من رحمة كانت مقسمة بين البشر يوم خلق الله عباده من كل دين !.

أسمع نياح ابنته الوحيدة " داريا " و هي تبكي أباها سيّد الرجال و فارسها الذي أردفها على خيل المروءة و ربّاها على شومات خوات الرجال من الكركيات كحل العيون في مآقي إخوانها من من رجال الذين رفضوا أن يميزوا بيوتهم بالصلبان كي يتفادوا بطش العثمانيين و إنما زادوا الدّهان " ميّة " و هم في عطش يومها و مسغبة ليدهنوا بيوت إخوانهم من المسلمين الكركية و يمنعوا عنهم عاديات الزمن !.

يا داريا

لا تجزعي و لا تخافي وحدة فأنت لست يتيمة في قوم كلهم آباء لك ؛ أنا متأكد بأن أحفاد زيد و جعفر و عبدالله و خالد لن يتركوك وحدك فأكتافهم وسادة لك و " مركاك " قلوبهم في مضافاتهم التي ما استقبلت يوماً إلا كرام الناس و لم يفرّشوا مضافاتهم الكبيرة يوماً إلا للنشامى من ضيوفهم الغانمين ، يا " داريا " أنت بنت من بناتهم جدائلك خيوط " عقالاتهم " و رموشك هدب " شماغاتهم " !.

و أنت يا دانيال كنّ كالرجال كما عرفتك في ساحات الجامعة الهاشمية تزرع الأرض نبلاً ربّاك عليه أبوك ، و كبرت " كل شبر بنذر " فأنت وحيده ، و لكنك اليوم لست وحيداً فالأردنيون عشيرتك " نطاحين المغيرات " يوم الدنيا " كثيرات الهبايب " ؛ فاثبت كجبال الجنوب التي كانت راياتهم تسكن عُلاها ، و لا تبك أباً لك كان يسرج الخيل للريح و لا يهاب المنايا التي " جابها " الأنذال ، كلنا معك فأنت تشدّ أزرنا و تفتح لنا مضافات الهلسة من ربعك الكرام لنستقبل معك الأردنيين ؛ رافعاً رأسك بسيرة أبيك فلم يكن يوماً من " الدنايا " ، لا قدر الله، إنما من " الطنايا " الذين تشمخ أعناقهم لتطاول السحاب و سيكتب الأردنيون معك اسم أبيك على صدر غيمة تشرينية أبت إلا أن تظل قبر أبيك !.

مدار الساعة ـ