أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

رح نورجيهم.. الحضور الملكي في لحظة الألم وسياسة الحسم الأردنية ضد الإرهاب


نضال الثبيتات العمرو

رح نورجيهم.. الحضور الملكي في لحظة الألم وسياسة الحسم الأردنية ضد الإرهاب

مدار الساعة ـ

تتعدى المواقف القيادية الحاسمة في أوقات الأزمات الوطنية الكبرى حدود البيانات البروتوكولية الصامتة لتصوغ معادلة الردع وهيبة الدولة، وهو ما تجلى بوضوح بالغ عقب الجريمة الإرهابية النكراء التي استهدفت كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك أثناء تشييع جنازة إحدى السيدات؛ إن الوقوع المباشر لاستهداف الدم الأردني داخل دار عبادة وفي لحظة إنسانية وادعة لم يكن مجرد خرق أمني غادر، بل تمثلت فيه محاولة خبيثة لضرب النسيج الاجتماعي وإشاعة حالة من الصدمة والحزن والذعر في أوساط المجتمع الأردني بأكمله، وفي مثل هذه اللحظات الفاصلة من تاريخ الأمم، يُعاد تعريف العلاقة بين القيادة والشعب؛ حيث لم تكتفِ الدولة الأردنية بالتعامل الإداري مع الأزمة، بل بادر رأس الدولة، جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، بالنزول الميداني المباشر ليكون حاضرا في قلب المصاب الإنساني.

يحمل الحضور الملكي في الساعات الأولى التي تلت الفاجعة وزيارة جلالته لمستشفى الكرك الحكومي للاطمئنان المباشر على المصابين دلالات سياسية وإنسانية عميقة تجاوزت الصورة النمطية لإدارة الأزمات؛ لقد أظهر مقطع مصور بوضوح جلالة الملك وهو يقف إلى جوار أحد الجرحى، يستمع إليه باهتمام ويتحدث معه مباشرة بنبرة تحتضن وجع المواطن وترسخ لدى ذوي الشهداء والمصابين شعورا مطلقا بالأمان والألفة؛ فتفقُّد القائد لشعبه في لحظة الصدمة الأولى يعطي الرسالة الأساسية بأن المواطن لا يُترك وحيدا أمام الإرهاب، وأن آلام أسر الضحايا هي آلام العرش نفسه، مما حوّل محاولة بث الفزع إلى حالة إلتفاف وطني وثيق حول القيادة ومؤسسات الدولة في المحافظة الجنوبية الصامدة.

أحدثت النبرة الحاسمة للعبارة العفوية القاطعة التي وجهها جلالته أثناء حديثه مع المصاب في المستشفى بقوله (رح نورجيهم) أثرا جماهيريا بالغ القوة في وجدان الشارع الأردني، إذ استحضرت العبارة الموروث الثقافي والوطني الأردني في حماية الديار وقوة ردع الدولة في وجه كل من يتطاول على أمنها؛ ولا ينبغي على القراءة السياسية العميقة التوقف عند النبرة الحازمة للعبارة فحسب، بل يجب وصلها بصرامة بالسياق السياسي والأمني الصعب الذي قيلت فيه، فهي تعقيب مباشر على جريمة دموية ارتكبتها أيدي الغدر ضد مشيعين عُزّل في ساحة كنيسة؛ لقد فهم الجمهور الأردني هذا الكلام الحازم بوصفه تعهدا سياسيا وأمنيا بليغا مفاده أن الدولة لن تتعامل مع الاعتداء باعتباره حادثا عابرا، وأن المسؤولين عنه سيواجهون التبعات القاسية لجرائمهم دون تهاون أو مهادنة.

تتحدد هوية المقصودين بضمير(هُم) في الوعيد الملكي بوضوح لا يقبل اللبس؛ إنهم الجماعات التكفيرية الإرهابية وقوى الظلام والتطرف ومن يمولونهم بكافة أشكالهم ومصادرهم ممن يتوهمون القدرة على النيل من هذا الوطن، وتنسجم هذه اللغة الحاسمة في مواجهة الجناة مع فلسفة الدولة الأردنية القائمة على إبقاء سيادة القانون ودولة المؤسسات هي المظلة العليا للمحاسبة والعقاب، بحيث ينال المجرمون جزاءهم العادل عبر القضاء الناجز والأجهزة الأمنية والعسكرية الكفؤة؛ إن قوة الخطاب الملكي تتجسد في قدرته على الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين الحزم الردعي المباشر ضد قوى التطرف والإرهاب من جهة، والالتزام المطلق بمسار سيادة القانون والشرعية المؤسسية من جهة أخرى.

امتدت الرسالة المترتبة على الحضور الملكي في الكرك إلى أبعاد مجتمعية أعمق تتجاوز حدود التضامن الفئوي الضيق، لتلمس جوهر المواطنة الأردنية الجامعة؛ فالاعتداء الذي طال كنيسة حمود وأهلها يستهدف مكونا أصيلا وجزءا متجذرا في هويتنا الوطنية التاريخية، لكن القراءة الدقيقة لموقف القيادة تأبى اختزال هذه الاستجابة في مجرد تضامن مع المواطنين المسيحيين وحدهم، ولا تغفل في الوقت نفسه خصوصية الحادثة؛ الفكرة الأكثر دقة هي أن الاعتداء أصاب مواطنين أردنيين في دار عبادة مكفولة، وأن التزام الدولة الأصيل هو حماية حقهم المطلق في الحياة والأمان وحرية الشعائر، مؤكدة أن الأردني لا يفقد حقه في الحماية بسبب دينه، ولا يتحول انتماؤه الديني إطلاقا إلى مبرر لاستهدافه أو عزله.

تلاقت التوجيهات الملكية الحاسمة مع الحراك المؤسسي الرسمي لترسم موقفا أردنيا متماسك ضد الفتنة والإرهاب، حيث شدد جلالة الملك عبد الله الثاني على أن الأردن سيواجه العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات، مؤكدا أن من توهم بأن رصاص الغدر قادر على شق صف الأردنيين فقد خاب مسعاه أمام صلابتهم ووحدتهم، وتكاملت هذه الرؤية مع تصريحات سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد بأن رصاص الإرهاب الجبان لن ينال من الكرك، وقول جلالة الملكة رانيا العبد الله إن دمعة قرية حمود هي دمعة كل أردني، فضلا عن موقف رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان الذي أعلن أن الجريمة اعتداء مباشر على كل أردني وأردنية، مشددا على أن الإرهاب لا دين له ولا وطن.

أيها الشعب الأردني المّوَحّد؛ تثبت تجربة التعامل مع فاجعة حمود بالكرك أن قوة الأردن تكمن في قدرته الاستثنائية على تحويل لحظات الألم المأساوية إلى رافعة للتلاحم الوطني الشامل وسيادة منطق الدولة الحازمة، و إن امتزاج لغة الحسم الردعية التي جسدها جلالة الملك بقوله(رح نورجيهم) مع التواجد الميداني الإنساني بين المصابين أرسل رسالة قاطعة لكل متربص مفادها أن النسيج الوطني الأردني عصي على الانكسار؛ وسيبقى الأردن، بحكمة قيادته وبسالة أجهزته الأمنية ووعي شعبه، سدا منيعا يكسر أوهام الإرهاب وحصنا يحفظ لكل أبنائه حقهم المقدس في الأمان والمواطنة والدولة المستقرة؛ رحم الله شهداء كنيسة الروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك.

مدار الساعة ـ