أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هذا ليس فعلًا جبانًا فحسب.. بل سقوطٌ في حضيض الإنسانية


صالح الشرّاب العبادي

هذا ليس فعلًا جبانًا فحسب.. بل سقوطٌ في حضيض الإنسانية

مدار الساعة ـ

هذا ليس فعلًا جبانًا فحسب، بل انحدارٌ إلى حضيضٍ تعجز اللغة عن وصف بشاعته، وتسقط أمام قذارته كل مفردات الإدانة.

أن تحمل رشاشًا، وتوجّه فوهته إلى صدور مدنيين عُزّل، اجتمعوا لتشييع جنازة، لا لمعركة ولا لقتال ولا لمواجهة خصم مسلّح، فذلك ليس شجاعةً ولا رجولةً ولا قوة؛ بل سقوطٌ مدوٍّ في قاع الجبن، وانحطاطٌ أخلاقي تتضاءل أمام بشاعته كل عبارات الاستنكار.

أيُّ قلبٍ هذا الذي لا يرتجف أمام أناسٍ جاءوا يودّعون فقيدهم، فإذا بصاحبه يحوّل مشهد الوداع إلى مشهد موت، ومكان العزاء إلى ساحة رعب، ودموع الحزن إلى صرخات استغاثة؟ وأيُّ عقلٍ هذا الذي يرى في المشيّعين العُزّل أهدافًا لبندقيته، وفي لحظة الحزن الإنساني فرصةً لإطلاق الرصاص؟

إنها ليست شجاعةً يشوبها الجبن، بل جبنٌ يتخفّى خلف فوهات البنادق؛ وليست قوة السلاح، بل عجز الإنسان حين يتجرّد من إنسانيته.

فالجبان قد يهرب من المواجهة، أما هؤلاء فقد اختاروا أن يصنعوا مواجهةً مع أناسٍ لم يأتوا للقتال أصلًا، بل كانوا آمنين في اجتماعهم، يؤدّون واجب العزاء في محيط دار عبادة، في مكانٍ تُصان فيه حرمة الإنسان، وتعلو فيه قيم السكينة والتسامح، ولا يليق به إلا الأمن والطمأنينة. والمجرم قد يسلب إنسانًا حياته، أما هذه الجريمة فقد اعتدت على حرمة الموت، وأمن الأحياء، وحق الإنسان في أن يشيّع فقيده دون أن يخشى أن يلحق به.

ما أقذر أن يتحوّل السلاح في يد صاحبه من وسيلةٍ لمواجهة الخطر إلى أداةٍ لصناعة الرعب بين الآمنين! وما أحطّ أن يُستبدل شرف المواجهة باستهداف العُزّل، وأن تُستبدل الرجولة بإرهاب المشيّعين!

إن من يطلق النار على أناسٍ لا يحملون سلاحًا لا يثبت أنه الأقوى، بل يكشف عن عجزه عن مواجهة خصمٍ مسلّح، فيختار أناسًا لم يخطر ببالهم أنهم في ساحة مواجهة، ولم يحملوا سوى حزنهم وواجبهم الإنساني. ومن يروّع المشيّعين لا يصنع مجدًا، بل يكتب صفحةً سوداء في سجل الجريمة والعار.

ومع ذلك، فإن عدالة الوطن لا تُبنى بالانتقام، ولا تتحقق باتهام الأبرياء؛ بل بكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته أمام القانون، وقطع الطريق على كل محاولة لاستغلال الدماء في تمزيق المجتمع أو إثارة الفتنة بين أبنائه.

سيبقى الدم المسفوك وصمةً على مرتكبيه، وستبقى حرمة الإنسان أرفع من رصاصهم، وسيبقى القانون أعلى من سلاحهم. أما البطولة، فلن تكون يومًا في رشاشٍ يُشهر في وجوه العُزّل؛ البطولة أن تحمي الحياة، لا أن تتربّص بها، وأن تقف في وجه الخطر، لا أن تصنعه لمن لا يملكون دفعه عن أنفسهم.

أما أنتم، يا من واجهتم هؤلاء الجبناء، ويا من كنتم في قلب تلك اللحظات الدامية، فإنكم عنوان الشرف والثبات ، أنتم أصحاب الحق في أن تُصان كرامتكم، وأن تُحفظ دماؤكم، وأن تنالوا العدالة التي تستحقونها، ومن ارتقى منكم الى ربه لا يسعنا إلا ان نقول لهم الرحمة والمغفرة من الله عز وجل ، فجرحكم ومصابكم جرح ومصاب كل اردني وكل شريف في هذا الوطن ..

أنتم الذين كنتم في موقفٍ إنساني، لا في ساحة حرب؛ جئتم لتشييع ميت، فإذا بكم تواجهون رصاصًا لا يميّز بين كبير وصغير، ولا يحترم حرمة جنازة، ولا يردعه وجع أمّ أو صرخة طفل. ومع ذلك، لن ينتزع الرصاص منكم شرف موقفكم، ولن يحوّل الجريمة ضحاياها إلى متهمين، ولن يجعل من استهداف العُزّل بطولةً مهما حاول مرتكبوها تبرير فعلتهم.

أنتم الشرفاء، لأنكم لم تختاروا الغدر. وأنتم أصحاب الكرامة، لأنكم لم تجعلوا من أرواح الأبرياء أهدافًا. وأنتم أهل الحق، لأن دماءكم أمانة في أعناق العدالة، لا وقودٌ للانتقام أو الفتنة.

وإلى أسر الضحايا والمصابين نقول: إن وجعكم وجع وطن، وإن دموعكم ليست شأنًا خاصًا بكم، بل جرحٌ في ضمير كل أردني. لن تعيد الكلمات من فقدتم، لكنها تستطيع أن تقول بوضوح إن دماء الأبرياء ليست رخيصة، وإن حقكم في الحقيقة والعدالة لا يسقط، وإن الوطن الذي يعتز بأبنائه لا يجوز أن يترك جراحهم للنسيان.

إن أقسى ما يمكن أن يقال في هذه الجريمة ليس شتيمةً تُقال في لحظة غضب، بل حقيقةٌ لا يمحوها الزمن: حين يختار الإنسان مشيّعين عُزّلًا أهدافًا لرصاصه، فإنه لا يبرهن على قوته؛ بل يقدّم بنفسه الدليل على سقوطه الأخلاقي والإنساني.

سيبقى الجبناء أسرى فعلتهم، وستبقى دماء الضحايا شاهدًا على بشاعتها، وسيبقى الأردن أكبر من رصاص الغدر، وأرسخ من محاولات الفتنة، وأقوى بوحدة أبنائه وتماسكهم. فلا سلاح الجريمة يصنع بطولة، ولا دماء الأبرياء تصنع مجدًا، ولا الفتنة تنتصر على وطنٍ يعرف أن كرامة الإنسان واحدة، وأن العدالة للجميع، وأن دم الأردني لا يُستباح.

مدار الساعة ـ