أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الكرك في قلب الدولة.. حضور القيادة وهيبة القانون ووحدة الأردنيين


علاء الذيب

الكرك في قلب الدولة.. حضور القيادة وهيبة القانون ووحدة الأردنيين

مدار الساعة ـ

مر الأردن بأزمات كثيرة وشهد أحداثا صعبة وقضايا مشابهة لما شهدته الكرك ، لكن ما لفت انتباهي هذه المرة هو طريقة تعامل الحكومة والأجهزة الأمنية مع الأزمة منذ اللحظات الأولى ، وحجم الحضور الرسمي في الميدان وطبيعة الرسائل التي صدرت عن المسؤولين .

لأول مرة أشعر أن هناك حالة من الاستنفار الحقيقي على مستوى الدولة ، وأن الجميع يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه في مثل هذه الظروف .

وصول الملك إلى الكرك قبل إلقاء القبض على المتورطين يحمل دلالات مهمة ، ويعكس أن الدولة حاضرة بين أهلها في أصعب الظروف ، وأن الوقوف إلى جانب المواطنين ومواساتهم لا يرتبط بانتهاء العمليات الأمنية أو إغلاق ملف القضية ، بل على العكس، فإن رسالة الملك كانت واضحة "الدولة حاضرة في الميدان، قريبة من مواطنيها، تقف إلى جانبهم في لحظات الألم والقلق، وتؤكد أن أمن المواطن وكرامته وطمأنينته تأتي في مقدمة الأولويات" .

كذلك كان وجود الحكومة بكاملها في الكرك لافتا للنظر إذ لم يقتصر الأمر على التصريحات من العاصمة بل كان هناك حضور ميداني ومتابعة مباشرة للأحداث ، كما أن الرسائل التي وجهها رئيس الوزراء د جعفر حسان من الكرك بدت واضحة ومباشرة وتعكس إدراكا لحجم الحدث وحساسية المرحلة .

ومن الأمور التي تستحق التوقف عندها تقسيم الوزراء إلى مجموعات لزيارة أهالي المتوفين وتقديم واجب العزاء والاطمئنان على المصابين ، فهذه الخطوة تحمل جانبا إنسانيا مهما وتؤكد أن مسؤولية الدولة لا تقتصر على الجانب الأمني ، بل تمتد إلى الوقوف مع العائلات التي فقدت أبناءها ومساندة المصابين في هذه الظروف الصعبة.

أما على مستوى الخطاب الرسمي فقد كان عقد المؤتمر الصحفي ثم الإيجاز الصحفي خطوة مهمة في التعامل مع الرأي العام ، وتوضيح ما يمكن توضيحه من معلومات ، وقد لفتني حديث وزير الاتصال الحكومي الدكتور محمد المومني الذي بدا صريحا في ما قاله وفي ما طالب به من ضرورة التعامل المسؤول مع المعلومات المتداولة.

كما ظهر وزير الداخلية مازن الفراية بملامح الغضب والانزعاج من طبيعة ما حدث وكانت نبرة حديثه واقعية ومباشرة بعيدة عن المبالغة أو محاولة تجميل المشهد ، وكذلك كان حديث مدير الأمن العام اللواء عبيد الله المعايطة واضحا وشعرت من خلاله بوجود جدية في التعامل مع القضية وتحمل المسؤولية أمام المواطنين،

وكذلك كان حضور مدير المخابرات العامة اللواء أحمد حسني حاتوقاي لافتا ، حيث عكست ملامحه ونبرة حديثه حجم الغضب والانزعاج من طبيعة ما حدث، في مشهد يعكس جدية التعامل مع القضية وحساسية المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتق الأجهزة الأمنية ، ونحن إذ نؤكد ثقتنا الكبيرة بدائرة المخابرات العامة، قيادة وكوادر، فإننا على ثقة بقدرتها على متابعة خيوط القضية والعمل على كشف المتورطين وضبطهم وفقا للقانون، بما يضمن تحقيق العدالة وترسيخ أمن الوطن واستقراره.

ومن المهم الإشارة إلى أن عدم إعلان جميع التفاصيل الأمنية في هذه المرحلة لا يعني بالضرورة إخفاء المعلومات عن المواطنين فهناك فرق بين حجب الحقيقة وبين عدم الكشف عن تفاصيل قد تؤثر على سير التحقيقات، أو تعرقل الإجراءات الأمنية، ومن حق الناس أن تعرف ما يجري ومن واجب الجهات المختصة في الوقت نفسه أن تحافظ على سرية ما قد يؤثر نشره على مجريات التحقيق .

الثقة بين الدولة والمواطن لا تبنى بالشعارات بل بالوضوح والمصداقية والمحاسبة عندما تثبت الأخطاء ، وفي مثل هذه القضايا يحتاج الناس إلى إجابات واضحة كما تحتاج الأجهزة المختصة إلى الوقت الكافي لاستكمال عملها بعيدا عن الاستنتاجات المسبقة وتداول المعلومات غير المؤكدة .

ما حدث في الكرك كان مؤلما وصعبا ولا يمكن لأي حضور رسمي أو تصريح أن يخفف من حجم الفقد الذي عاشته العائلات ، لكن طريقة إدارة الأزمة والحضور الملكي والحكومي والتواصل المباشر مع المواطنين كلها أمور تستحق التوقف عندها .

ويبقى الأهم أن تترجم هذه البداية إلى نتائج واضحة وأن تكشف التحقيقات حقيقة ما جرى وأن تتم محاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقا للقانون، فالدولة القوية ليست تلك التي تحضر في لحظة الأزمة فقط بل تلك التي تصل إلى الحقيقة وتحقق العدالة وتمنع تكرار ما حدث.

الكرك، مدينة المجد والتاريخ والرجال، وموطن الأخوة والتلاحم الوطني، التي يجتمع فيها المسلمون والمسيحيون على المحبة والاحترام وروح الأسرة الواحدة، لتبقى نموذجا أصيلا للوحدة الوطنية التي ميزت الأردن عبر تاريخه ، فما يجمع أبناء الكرك أكبر من كل خلاف، وأعمق من كل محنة، وما حدث في الكرك لا يمس أهلها وحدهم، بل يمس مشاعر الأردنيين جميعا، فالمصاب واحد، والوجع واحد، والوقوف إلى جانب المتضررين واجب إنساني ووطني ، وستبقى الكرك، بمسلميها ومسيحييها، عنوانا للتسامح والعيش المشترك، وشاهدا على أن قوة الأردن الحقيقية تكمن في وحدة أبنائه وتماسكهم، وفي إيمانهم بأننا جميعا إخوة في وطن واحد، نحميه بالمحبة، ونصون استقراره بالوعي، ونواجه المحن بالتكاتف والوقوف صفا واحدا خلف وطننا وقيادتنا.

مدار الساعة ـ