لن نسمح للعملية الإرهابية أن تتحول إلى فتنة، ولن نسمح للفتنة أن تصبح انتصاراً للإرهاب، فالوطن أكبر من مشاريع التكفير، وأرسخ من محاولات الشقاق، ووحدته ليست موضع اختبار أمام أصحاب الفكر المتطرف.
هذا الموقف الذي ينبغي أن يحكم تعاملنا مع جريمة بحجم طعنة حمود، ومع كل محاولة لاستثمار وجع الأردنيين في شق صفهم وضرب ثقتهم بدولتهم.الإرهاب دائما ما يراهن على ما يلي العملية، يراهن على أن يتحول الغضب إلى فوضى، والصدمة إلى اتهامات، والاختلاف إلى عداوة، وأن يتولى المجتمع بنفسه توسيع دائرة الجريمة حتى تتجاوز ضحاياها المباشرين إلى النسيج الوطني كله، وحين يحدث ذلك، يكون المجرم قد حقق غاية لم تكن الرصاصة أو الطعنة سوى وسيلة إليها... هنا يجب أن تسقط الفتنة قبل أن تجد لها موطئ قدم.من الكرك التي لا تحتاج إلى شهادة في انتمائها، لا بد أن يكون الموقف بحجم المسؤولية فنحن أمام معركة الأردن مع فكر يريد أن يفرض منطقه على الدولة والمجتمع، ولا يجوز أن نسمح لأحد بأن يعيد تعريف علاقاتنا الوطنية على أساس جريمة ارتكبها متطرفون، أو أن يجرنا إلى خصومات تخدم أجندة الإرهاب وتمنحه ما عجز عن انتزاعه بالقوة.الكرك ليست تفصيلاً في الحكاية الأردنية، والأردن ليس تجمعاً هشًا تفرّقه جريمة، هذه دولة لها مؤسساتها، ولها أجهزتها القادرة، ولها تاريخ من مواجهة التحديات، وشعب يعرف أن الاختلاف لا يلغي الشراكة، وأن أمن الوطن ليس قضية قابلة للمساومة، والثقة بقدرة الأردن على دحر الإرهاب ليست مجاملة سياسية، إنما موقف وطني يستند إلى الإيمان بالدولة ومؤسساتها، وبأن القانون حين يُطبق بحزم، والتطرف حين يُواجَه بوضوح، لا تكون الغلبة لأصحاب العنف والتكفير.ومن الخطأ أن نترك الفضاء العام لمن يحرض أو يصطاد في لحظات الألم، فهناك فرق بين موقف يطالب بالعدالة، وخطاب يوظف الجريمة لمصلحة ضيقة، وبين نقد مسؤول يسعى إلى تعزيز الدولة، وتحريض لا يريد إلا إضعاف الثقة بين الناس ومؤسساتهم، في مثل هذه اللحظات، تصبح الكلمة مسؤولية وطنية.. "إما أن تسهم في حماية المجتمع، وإما أن تتحول - عن قصد أو عن جهل - إلى جزء من المشهد الذي يريده أصحاب الفتنة. المسؤولية اليوم تقع على الجميع، على الدولة أن تلاحق الجناة وتحاسبهم، وعلى القوى السياسية أن ترتقي إلى مستوى اللحظة، وعلى الإعلام أن يتحرى الدقة بدل إشعال المشاعر، وعلى المواطنين أن يدركوا أن حماية الوحدة الوطنية ليست تنازلاً عن الغضب، بل توجيه لهذا الغضب نحو هدفه الصحيح، فالخصم هو الإرهاب، لا المجتمع، والمعركة مع الفكر الذي يستبيح الدماء، لا مع نسيج وطني لا يجوز أن يدفع ثمن جريمة لم يرتكبها.لن نمنح الإرهاب انتصاراً مجانياً على هيئة انقسام داخلي، ولن نسمح له بأن يقتل مرة بالجريمة ومرة أخرى بالفتنة، ولن نسمح بأن تتحول دماء الأردنيين إلى حدود فاصلة بينهم، بدل أن تكون سبباً في مزيد من التماسك خلف دولتهم وقانونهم.قد يترك الإرهاب جرحاً عميقاً، لكنه لا يملك حق تقرير مستقبل الوطن، وقد يثير الغضب لكنه لن يحدد اتجاه البوصلة الوطنية، فالأردن قادر على دحر التكفيريين، ومؤسساته قادرة على حماية أمنه، وشعبه قادر على إفشال كل محاولة لضرب وحدته. هذه هي المعركة التي لا يجوز أن نخسرها... أن نواجه الجريمة من دون أن نقع في الفتنة، وأن نحاسب المجرمين من دون أن نظلم الأبرياء، وأن نثبت قوة الدولة من دون أن نسمح للمحرّضين بتقويض الثقة بها.طعنة حمود يجب أن تكون تأكيد لما يجب ألا ينساه أحد "الإرهاب عدو الوطن والفتنة سلاحه ووحدة الأردنيين أقوى وسائل هزيمته" ... وسيبقى الأردن، بدولته ومؤسساته وشعبه، أقوى من أوهام التكفيريين وأصلب من كل محاولة لشق صفه.