أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم
جريمة كنيسة الحمود: اختبار الشفافية قبل

جريمة كنيسة الحمود: اختبار الشفافية قبل اختبار التماسك


وليد الهباهبة
كاتب وصحفي أردني

جريمة كنيسة الحمود: اختبار الشفافية قبل اختبار التماسك

وليد الهباهبة
وليد الهباهبة
كاتب وصحفي أردني
مدار الساعة ـ

لا تُقاس متانة المجتمعات بخلوّها من الجرائم، بل بقدرتها على كشف الحقيقة وتحقيق العدالة ومنع تحوّل الألم إلى انقسام. وبهذا المعيار، تضع جريمة كنيسة الحمود في محافظة الكرك الأردن أمام اختبار مزدوج: أمني وقضائي من جهة، وسياسي وإعلامي من جهة أخرى.

ففي مثل هذه الحوادث، لا يكفي التأكيد على وحدة المجتمع ورفض الفتنة، على أهميتهما، بل تبرز الحاجة إلى معلومات موثوقة تشرح ما حدث، وتكشف دوافعه، وتحدد المسؤوليات، وتمنح المواطنين الثقة بأن العدالة ستأخذ مجراها.

تبدأ المعالجة المسؤولة بالتمييز بين الوقائع التي أعلنتها الجهات الرسمية، والمعلومات التي لا تزال قيد التحقيق. فالدافع وراء الجريمة، وطبيعة تحرك الفاعلين، وما إذا كان الحادث مرتبطاً بأفراد أم بامتداد تنظيمي، كلها مسائل ينبغي أن تجيب عنها نتائج التحقيق، لا التكهنات أو المقارنات السياسية.

وتُعد الحادثة سابقة من نوعها في استهداف المسيحيين في الأردن بدوافع إرهابية، وهو ما يزيد من أهمية فهم ظروفها ودوافعها، ولا سيما في ظل التحولات التي شهدتها التنظيمات المتطرفة خلال السنوات الماضية. فالسؤال عن سبب وقوع الجريمة الآن مشروع، أما الإجابة عنه فتظل رهناً بالأدلة.

وقعت الجريمة في وقت يشهد فيه الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي نقاشاً بشأن أوضاع المسيحيين في الشرق الأوسط، وعلاقة ذلك بالصراعات الدينية والسياسية في المنطقة. وفي هذا السياق، أثارت الحلقة التي سجلها الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون من موقع المغطس نقاشاً حول التعايش الإسلامي المسيحي في الأردن، وأوضاع المسيحيين الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، وما وصفه كارلسون بإذلالهم. كما حظيت مواقفه وردود الفعل عليها باهتمام إعلامي، في ظل سجال أميركي أوسع بشأن الدين والسياسة ومكانة إسرائيل في تصورات بعض التيارات المسيحية الغربية.

لا يثبت هذا التزامن وجود أي صلة بين تلك النقاشات والجريمة، ولا توجد مبررات لافتراض علاقة سببية بينهما من دون أدلة. لكنه يلفت الانتباه إلى البيئة الإعلامية التي قد تُقرأ الحادثة في إطارها، وإلى احتمال إخراجها من سياقها الأمني والقضائي وإدراجها في سجالات أوسع بشأن أوضاع المسيحيين في المنطقة.

وهنا تبرز أهمية أن تكون المعلومات الرسمية دقيقة وواضحة، وأن يستند الخطاب الإعلامي الأردني إلى الوقائع، بعيداً عن المبالغة الدفاعية أو إنكار الأسئلة المشروعة. فالتعامل المهني مع الحادثة هو ما يتيح للرأي العام، في الداخل والخارج، التمييز بين الجريمة ذاتها وبين التفسيرات التي قد تُبنى عليها.

وثمة خطران ينبغي الانتباه إليهما في التعامل مع تداعيات الجريمة؛ أولهما أن تتحول الحادثة إلى أساس لتعميمات تمس المجتمع الأردني بأكمله، أو إلى مادة في سجالات دينية وسياسية تتجاوز الوقائع المثبتة. فالجريمة، مهما بلغت خطورتها، لا تبرر إصدار أحكام عامة على مجتمع أو على علاقة تاريخية بين مكوناته. وثانيهما أن تتحول داخل الأردن إلى مناسبة لتأجيج الانقسام، من خلال الشائعات أو خطاب الكراهية أو تحميل جماعات دينية واجتماعية مسؤولية أفعال لم تثبت صلتها بها. فمثل هذه الممارسات قد توسع آثار الجريمة وتضر بالثقة بين المواطنين.

وفي المقابل، تعكس بيانات الإدانة والتضامن الصادرة عن الفعاليات المجتمعية تمسكاً بالشراكة الوطنية ورفضاً للاعتداء على المواطنين بسبب انتمائهم الديني. غير أن هذه المواقف، على أهميتها، لا تغني عن المسؤولية المؤسسية. ان التماسك لا يتحقق بالبيانات وحدها، بل أيضاً بالمساواة في الحماية، وضمان العدالة، وتوفير المعلومات التي يحتاج إليها المواطنون لفهم ما حدث والاطمئنان إلى عدم تكراره.

إن من حق الأردنيين، والمسيحيين منهم خصوصاً، معرفة ظروف الجريمة ودوافعها، ومن حق عائلات الضحايا الوصول إلى الحقيقة والعدالة، كما أن من واجب الدولة حماية المواطنين ودور العبادة والتجمعات الدينية من الاعتداءات.

مدار الساعة ـ