ما شهدته محافظة الكرك من حادثة إطلاق النار التي استهدفت مواطنين أثناء تشييع جنازة داخل كنيسة حمود، ليس مجرد حادثة مؤلمة، بل جرح أصاب قلب كل أردني، وأعاد إلى الواجهة حقيقة راسخة: أن أمن الأردن ووحدته وسلامة أبنائه مسؤولية وطنية وأخلاقية لا تقبل التهاون.
إن استهداف الإنسان في لحظات حزنه، وأثناء وداع عزيز عليه، جريمة تمسّ حرمة الحياة وكرامة الإنسان، ولا يمكن تبريرها تحت أي شعار أو فكر متطرف. فالاختلاف في الدين أو المعتقد لا يُبيح الاعتداء، ولا يجعل دم الإنسان مستباحًا، ولا يغيّر من حقيقة أن الأردنيين أبناء وطن واحد، تجمعهم الأرض والتاريخ والمصير.وفي هذا المصاب، جاءت رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني حازمة وواضحة، إذ شدّد على أن الأردن سيواجه هذا العمل الإرهابي بأشد العقوبات، مؤكدًا أن من يظن أن رصاص الغدر قادر على شق صف الأردنيين واهم في حساباته.إن كلمات جلالة الملك تحمل رسالة تتجاوز الإدانة إلى التأكيد على ثوابت الدولة الأردنية: لا تهاون مع من يعتدي على أمن الوطن، ولا تساهل مع من يحاول بث الخوف والفرقة بين أبنائه، وأن العدالة يجب أن تأخذ مجراها، وأن الأجهزة المختصة ستقوم بواجبها لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وفق القانون.لكن الرد على هذه الجريمة لا يكون بالحزم الأمني وحده؛ بل يكون أيضًا بالوعي، ورفض خطاب الكراهية، وعدم الانجرار وراء الشائعات، والتمسك بوحدة المجتمع التي كانت على الدوام مصدر قوة الأردن ومنعته. ومن واجبنا أن نترك التحقيقات للجهات المختصة، وألا نسمح للمعلومات غير المؤكدة بأن تتحول إلى وقود للفتنة.يا أهلنا في الكرك، مصابكم مصاب كل بيت أردني، وحزنكم حزن كل أردني شريف. لا فرق بين أردني وآخر حين يتعلق الأمر بكرامة الإنسان وحرمة الدم وأمن الوطن. كنائسنا ومساجدنا وبيوتنا وعشائرنا يجمعها وطن واحد وراية واحدة وقيادة واحدة.سيبقى الأردن أكبر من الجراح، وأقوى من محاولات بث الفرقة، وسيبقى الأردنيون، بمختلف أديانهم وأصولهم، أهلًا وشركاء في هذه الأرض. فالفتنة لا تنتصر إلا إذا سمحنا لها أن تفرّقنا، والوطن لا تحميه الكلمات وحدها، بل يحميه الوعي والتكاتف والعدل والوقوف صفًا واحدًا في وجه كل اعتداء.رحم الله الضحايا، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وحفظ الله الأردن وأهله، وأدام علينا نعمة الأمن والأمان، تحت ظل الراية الهاشمية.الأردن واحد، ووجع الكرك وجعنا جميعًا، ولن يكون بيننا مكان لمن يريد أن يمزّق نسيجنا الوطني.الكرك تنزف، والأردن واحد… رسالة وطن لا تكسره الفتن
مدار الساعة ـ