أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مشروع الصاد وإعادة تشكيل الشرق الأوسط: حرب لا تتوقف عند حدود إيران واليمن


صالح الشرّاب العبادي

مشروع الصاد وإعادة تشكيل الشرق الأوسط: حرب لا تتوقف عند حدود إيران واليمن

مدار الساعة ـ

ما يجري في الشرق الأوسط لم يعد حرباً تقليدية بين جيشين، ولا مواجهة يمكن قياس نتائجها بعدد الغارات أو الصواريخ التي تصيب أهدافها ، نحن أمام حرب متعددة المستويات، تتداخل فيها القوة الجوية والصاروخية، والإنذار المبكر والاستطلاع الفضائي، والحرب الاقتصادية، والسيطرة على الممرات البحرية، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.

وفي تقديري، فإن المواجهة بين السعودية والحوثيين تمثل نموذجاً واضحاً لهذا التحول ، فهي في جانبها السعودي الحوثي، حرب سماء وصواريخ ومسيّرات بامتياز، تتقدم فيها وسائل الضرب عن بُعد على المواجهة البرية المباشرة بين الجيشين السعودي والحوثي عبر الحدود ، وهذا لا يعني غياب العمليات البرية داخل اليمن، حيث تخوض القوات الحكومية اليمنية والقوى المتحالفة معها معارك ضد الحوثيين، بل يعني أن المواجهة المباشرة بين السعودية والحوثيين لم تتحول بالضرورة إلى حرب برية شاملة بين الطرفين.

السعودية تدافع عن أراضيها ومنشآتها الحيوية ومطاراتها، بينما يستخدم الحوثيون الصواريخ والمسيّرات للضغط على العمق السعودي ورفع كلفة المواجهة ، ولكل طرف داعمون وأدوات نفوذ؛ فالحوثيون يرتبطون بعلاقة دعم وثيقة مع إيران، في حين تسعى الرياض إلى تعزيز مظلتها الدفاعية عبر شركائها الإقليميين والدوليين.

وهنا تبرز أهمية اتفاق الدفاع المشترك الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، والتحركات المصرية لدعم الدفاع عن الأراضي السعودية ، لكن ينبغي التمييز بين الاتفاقات القائمة والمشاركة الفعلية في العمليات ، فمصر تدرس دعم الرياض ضمن حدود دفاعية، ولا يعني ذلك تلقائياً دخول قواتها في حرب برية داخل اليمن.

إن خطورة هذه المعادلة تكمن في احتمال انتقالها من تبادل الضربات الجوية والصاروخية إلى مواجهة برية أوسع، خصوصاً إذا استؤنفت الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، وقررت طهران توسيع الرد الشامل وعبر حلفائها ، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة نشاط فصائل عراقية مسلحة أو حزب الله، لكن حجم مشاركتها وطبيعتها سيعتمدان على تطورات الحرب والقرارات التي تتخذها تلك الأطراف.

المعركة الحقيقية، مع ذلك، تتجاوز حدود السعودية واليمن وإيران ، إنها معركة الممرات البحرية والطاقة والتجارة العالمية.

مضيق هرمز هو نقطة ضغط استراتيجية على إمدادات النفط الخليجية، فيما يمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس ، وإذا تعرض الممران لاضطراب متزامن، فإن التأثير لن يقتصر على دول المنطقة ، بل سيمتد إلى تكاليف الشحن والتأمين والطاقة، وسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا.

وهنا يجب أن نفهم لماذا تراقب القوى الدولية ما يجري في البحر الأحمر بهذا القدر من القلق ، فالمصلحة الدولية لا تتعلق بالسعودية وحدها، بل باستمرار حركة التجارة، وحماية الموانئ، ومنع تحول الممرات البحرية إلى أدوات ابتزاز استراتيجي.

مصر في قلب هذه المعادلة بحكم موقعها وقناة السويس، والأردن يتأثر بما يصيب التجارة والطاقة والملاحة في البحر الأحمر، فيما تواجه إسرائيل مخاطر أمنية واقتصادية إذا اتسع التهديد البحري ، ولذلك فإن حماية هذه الممرات ليست مسألة بحرية فحسب، بل جزء من الأمن القومي للدول المرتبطة بها.

أما إذا تعطل المرور في هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، فإن العالم سيبحث عن مسارات بديلة: خطوط الأنابيب البرية، والنقل عبر الموانئ المتوسطية، وإعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح ، غير أن هذه البدائل ليست متكافئة ، فالنقل البري محدود السعة مقارنة بالنقل البحري، والالتفاف حول أفريقيا يرفع زمن الرحلات وكلفتها، ولا يمكن لأي مسار بديل أن يعوض جميع وظائف الممرات المغلقة بسهولة.

ومن هنا أقرأ جانباً من الصراع ضمن التنافس الأمريكي الصيني على أمن الطاقة والتجارة وطرق الإمداد. فالولايات المتحدة تسعى إلى حماية مصالحها وشبكة تحالفاتها، بينما تعتمد الصين بدرجة كبيرة على استقرار التجارة البحرية وتدفق الطاقة ، وقد تتقاطع هذه المنافسة مع الصراع الأمريكي الإيراني، لكن لا يصح اختزال الحرب كلها في خطة أمريكية للاستئثار بالنفط أو حرمان الصين منه ، ولكن المؤشرات تشير الى هذه الحرب الخفية بينهما رغم كل اللقاءات والاجتماعات..

ترامب يقفز على كل الاتفاقيات او حتى لا يحترم الدبلوماسية الدولية ، فتراه فجاة يغازل الحوثيين ويتصل معهم اما لتسكين العمل ضد اقتصاده في هذه المرحلة ، او لا يريد فتح جبهة تبعده عن هدفه الأصلي ايران ، ولا يريد تأزيم الوضع الاقتصادي إذا ما هوجمت سفنه وبواخره المارة من باب المندب وكذاك ارجاء هذه القضية بعد ايران او بعد الانتخابات النصفية ،،

وتارة يذهب إلى بوتين ويسدد ضربة قوية ضد اوروبا وضد اوكرانيا ليعقد اتفاق الوقود ويرفع العقوبات.. وهذا ينذر بمفاجآت محتملة ان يعقد اتفاق فجاة مع ايران ويترك العربان في دوامة المناكفات والخلافات السياسية..

وفي القرن الأفريقي، تتزايد أهمية العلاقات بين إسرائيل وإثيوبيا، إلى جانب قضية أرض الصومال وموقعها الاستراتيجي قرب باب المندب. وتستحق هذه التطورات المتابعة من منظور الأمن المصري والسوداني وأمن البحر الأحمر، لكن تقييمها يتطلب دراسة الادعاءات بوجود ترتيبات عسكرية سرية أو خطة مشتركة لتطويق دول بعينها.

وهنا أصل إلى ما أسميه «مشروع الصاد: صفوي، صهيوني، صليبي غربي ». إنني أستخدم هذا المصطلح إطاراً تحليلياً لقراءة ثلاثة مسارات مختلفة: النفوذ الإيراني وأدواته الإقليمية، والمشروع الإسرائيلي وسياسات فرض الوقائع، والتدخلات الدولية التي توظف القوة والتحالفات لخدمة مصالحها الاستراتيجية ، ولا أفترض أن هذه الأطراف تعمل دائماً وفق قيادة واحدة أو اتفاق موحد؛ فقد تتصارع فيما بينها، بينما تؤدي تحركاتها المتقاطعة إلى استنزاف الدول العربية وتهديد سيادتها ومصالحها ، بالتالي الخاسر الأكبر في هذه المعادلة هي الدول العربية ،،

أما مستقبل الحرب، فلا أرى أن نهايتها يمكن تحديدها بتاريخ ثابت أو ربطها حتماً بانتهاء ولاية دونالد ترامب أو بقاء بنيامين نتنياهو في الحكم ، لكن الحسابات السياسية والانتخابية قد تؤثر في توقيت التصعيد وحدوده ، إذ يمكن للقيادات أن تستخدم القوة لتحسين شروط التفاوض أو لتعزيز مواقعها الداخلية، كما يمكن للضغوط الاقتصادية والعسكرية أن تدفعها إلى تسويات لم تكن مستعدة لها سابقاً.

إن الحرب قد تستمر ما دامت الأطراف ترى أن كلفة مواصلتها أقل من كلفة التراجع، لكنها قد تتوقف أيضاً عندما تتغير حسابات المصالح أو تتضح حدود القوة ، ولهذا لا ينبغي أن نخلط بين استمرار دوافع الصراع وبين استحالة التوصل إلى تسوية.

الخلاصة أن الشرق الأوسط يقف أمام اختبار استراتيجي يتجاوز نتائج المعارك اليومية ، فالمسألة ليست فقط من ينتصر في السماء، أو من يعترض الصواريخ، بل من يضمن حرية الملاحة، ومن يتحكم بمسارات الطاقة، ومن يملك القدرة على حماية قراره الوطني وسط صراع القوى الكبرى.

وبالنسبة إلى الأردن، فإن الأولوية هي تحصين الأمن الوطني، وحماية المجال الجوي، وتأمين التجارة والطاقة، والحفاظ على القرار المستقل، ورفض أي محاولة لفرض التهجير أو تصفية القضية الفلسطينية على حسابه.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمة العربية هو أن تنشغل كل دولة بالدفاع عن نفسها منفردة، فيما يعاد تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها ، ولذلك فإن مواجهة التحديات لا تبدأ بالشعارات، بل ببناء رؤية عربية واقعية للأمن والدفاع والاقتصاد والممرات البحرية.

فالحرب قد تبدأ بصاروخ، لكنها قد تنتهي بخريطة جديدة للنفوذ ، والسؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعا، ليس فقط كيف نمنع الضربة المقبلة، بل كيف نمنع الآخرين من تقرير مستقبل منطقتنا نيابةً عنا ، وهي التي تعجن وتتشكل امام أعيننا ونحن لا نزال في عصرنا البائد نخوض ، نرى كل السيناريوهات امامنا ونضع رؤوسنا حتى الاذقان في الرمل .

مدار الساعة ـ