قال رسول الله ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قالوا: بلى. قال: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ». رواه أبو داود والترمذي.
الصلح شرفٌ لا يناله إلا أصحاب النفوس الكبيرة؛ فهو ليس مجرّد اتفاقٍ يُنهي خلافًا، بل موقفٌ أخلاقيٌّ نبيل، وسعيٌ لإطفاء نار الفتنة وحقن الدماء، وجمع القلوب بعد تفرّقها، واختيار الإصلاح حين يكون التصعيد أسهل، والانتقام أقرب، والقطيعة أيسر.وليس كلُّ صلحٍ تنازلًا عن الحق، كما أنّ التمسّك بالحق لا يعني بالضرورة الإصرار على الخصومة.فالصلح الذي يحقن الدماء، ويدفن البغضاء، ويطفئ نار العداوة، لا يتنافى مع الخصومة المدنية أمام المحاكم، ولا مع اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالحقوق؛ إذ يمكن للمتخاصمين أن يتصافحوا، ويحفظ كلٌّ منهم للآخر كرامته، مع استمرار النزاع القانوني للفصل في الحقوق والالتزامات.إنّ المجتمعات الواعية هي التي تُحسن الفصل بين الخلاف والعداوة، وبين التسامح والتفريط، وتُكرّم الساعين في الإصلاح دون أن تجعل من الصلح وسيلةً للضغط على أصحاب الحقوق أو حرمانهم من العدالة.وللساعي في الإصلاح منزلةٌ رفيعة؛ فهو يبحث عن كلمةٍ تجمع، وموقفٍ يُهدّئ، وطريقٍ يُجنّب الناس مزيدًا من الخسائر.وما أحوجنا اليوم إلى ثقافةٍ تُعلي شأن الإصلاح، وتُكرّم أهل المساعي الحميدة، وتُدرك أنّ إنهاء العداوة انتصار، وأنّ حقن الدماء حكمة، وأنّ الاحتكام إلى القانون لا ينتقص من قيمة التسامح.فطوبى لمن أصلح بين الناس، وأطفأ نار الفتنة، وجمع القلوب على الخير؛ فليس أعظم من أن تُطوى صفحات العداوة، وتُصان الكرامات، وتُحفظ الحقوق بالعدل والقانون.