مدار الساعة -قبل نحو 7300 عام، شهدت اليابان واحدة من أعنف الكوارث البركانية في تاريخها، عندما تسبب ثوران بركان «كيكاي-أكاهويا» في تدمير النظم البيئية وتغطية مساحات واسعة بالرماد البركاني، ما جعل بعض المناطق غير صالحة للسكن بالنسبة إلى جماعات جومون، التي اعتمدت على الصيد وجمع الثمار في معيشتها.
ورغم حجم الدمار، لم تختفِ هذه المجتمعات البشرية بالكامل، بل تمكنت بعض التجمعات من تجاوز الكارثة ومواصلة النمو السكاني، في حين شهدت مناطق أخرى ركوداً أو تراجعاً في أعداد السكان.وكشفت دراسة دولية قادها باحثون من جامعة لوند السويدية، ونُشرت في مجلة "ساينس أدفانسز" في 14 أكتوبر 2026، أن آثار الكارثة لم تكن متشابهة في جميع أنحاء اليابان، وأن تفسير ما حدث لا يقتصر على سيناريو الانهيار السكاني الشامل أو استمرار الحياة دون تغيرات جذرية.زلازل قويةتسببت الكارثة البركانية في أضرار واسعة النطاق، إذ رافق الثوران زلازل قوية وأمواج تسونامي هائلة، أعقبها تساقط كثيف للرماد البركاني الذي غطى مساحات من اليابان بطبقات بلغ سمكها أمتاراً في بعض المواقع.وقال بيتر جوردان، أستاذ علم الآثار في جامعة لوند وأحد كبار الباحثين في الدراسة، إن الثوران كان مدمراً، وربما وقع دون إنذار كافٍ، ما أدى إلى اضطراب النظم البيئية وفرض تحديات هائلة على المجتمعات التي عاشت في المناطق المتضررة.ولسنوات طويلة، ناقش علماء الآثار ما إذا كانت الكارثة قد أدت إلى اختفاء البشر بصورة مفاجئة من المناطق القريبة من مركز الثوران، أم أن بعض التجمعات تمكنت من البقاء على قيد الحياة رغم قربها النسبي من موقع الكارثة.وتشير الدراسة الجديدة إلى أن الواقع كان أكثر تعقيداً؛ إذ اختلفت استجابات السكان تبعاً للظروف المحلية والموارد المتاحة وقدرتهم على الانتقال والتكيف.نظم بيئيةأظهرت النتائج أن تدهور النظم البيئية جعل بعض المناطق غير ملائمة للسكن، وترافق ذلك مع تراجع أعداد السكان. لكن شمال جزيرة كيوشو شهد مساراً مختلفاً، إذ استمر نمو السكان رغم الأضرار البيئية الواسعة التي خلفها الثوران.ويرجح الباحثون أن موجات من الناجين الذين غادروا المناطق الأكثر تضرراً بعد الكارثة أسهمت في دعم هذا النمو، بعدما انتقلوا إلى المناطق الساحلية الشمالية وأقاموا تجمعات جديدة بالقرب من البحر.وقد وفرت البيئات البحرية مصدراً مهماً للغذاء، خاصة مع تعافي النظم البيئية الساحلية بوتيرة أسرع من بعض البيئات الداخلية المتضررة. وربما ساعد تطوير أساليب جديدة لاستغلال الموارد البحرية على تعزيز قدرة المجتمعات على الاستقرار والتوسع.وقال إنريكو كريما، أستاذ في جامعة كامبريدج والباحث الرئيسي في الدراسة، إن الكارثة تسببت في خسائر بشرية كبيرة، لكن الناجين هاجروا وأقاموا علاقات اجتماعية جديدة وابتكروا أنماطاً اقتصادية مختلفة، ما أتاح لهم التكيف مع الظروف التي أعقبت الثوران، ثم الازدهار في بعض المناطق.تراجع سكانيلم تقتصر تداعيات الكارثة على المناطق القريبة من مركز الثوران، بل رصد الباحثون أيضاً ركوداً أو تراجعاً سكانياً في أجزاء أبعد من اليابان، رغم أن هذه المناطق كانت تشهد نمواً سكانياً قبل الكارثة.ويمثل هذا الاكتشاف أحد الجوانب اللافتة في الدراسة، إذ يشير إلى أن التأثيرات البركانية ربما امتدت إلى مناطق لم تتعرض مباشرة للدمار الأكبر.ولا يزال السبب الدقيق وراء هذا التراجع غير محسوم، لكن الباحثين طرحوا عدة احتمالات، من بينها حدوث تغيرات مناخية قصيرة الأمد بفعل الثوران، أو تضرر الحيوانات التي اعتمدت عليها مجتمعات جومون في الغذاء، مثل الغزلان والخنازير البرية.ويرجح العلماء أن الحيوانات التي كانت ترعى في مناطق غطّاها الرماد البركاني ربما تعرضت لتآكل شديد في الأسنان، ما قد يكون أثر في صحتها وقدرتها على البقاء، وانعكس بدوره على توفر الغذاء للبشر.كما لا يستبعد الباحثون أن تكون التأثيرات البركانية الأخرى في صحة الإنسان ورفاهيته قد أسهمت في هذه التحولات السكانية.تعافيتكشف النتائج أن التعافي بعد الكوارث الكبرى لا يسير وفق مسار واحد، بل يتوقف على مجموعة من العوامل، من بينها القدرة على الهجرة، والوصول إلى الموارد الطبيعية، وإقامة شبكات اجتماعية جديدة، وتطوير وسائل بديلة لتأمين الغذاء.ويرى جوردان أن الدراسة تقدم فهماً أعمق للطريقة التي تتعامل بها المجتمعات مع الصدمات المفاجئة والكوارث، مشيراً إلى أن الناجين يملكون خيارات، حتى في الظروف القاسية، وإن كانت محدودة، تشمل اتخاذ القرارات والتكيف والتعاون وبناء علاقات اجتماعية جديدة.وتوضح تجربة مجتمعات جومون أن النجاة من الكوارث لا تعتمد فقط على حجم الدمار، بل تتأثر أيضاً بقدرة البشر على تغيير أنماط حياتهم والاستفادة من الموارد المتاحة وإعادة بناء مجتمعاتهم.رمادٌ ودماء وهجرة: قصة صمود مجتمعات 'جومون' في وجه الجحيم البركاني
مدار الساعة ـ











