أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الاقتصاد بالأرقام لا بالتصفيق


الدكتورة ميس حياصات

الاقتصاد بالأرقام لا بالتصفيق

مدار الساعة ـ

لا يُقاس الأداء الاقتصادي بحجم المديح الإعلامي، ولا بعدد التصريحات التي تحتفي بالإنجازات، بل بالأرقام الفعلية ومدى انعكاسها على حياة المواطنين. فالاقتصاد ليس خطابًا للاحتفاء، ولا سباقًا في استعراض النجاحات، بل يُقاس أداؤه بما يحققه من نتائج، وما يتركه من أثر في دخل المواطن، وفرص العمل المتاحة، ومستوى المعيشة. ومن هنا، يبقى السؤال الذي لا يجوز تجاوزه: ما الذي تغيّر فعليًا في حياة الناس؟

قد تسجل المؤشرات الاقتصادية معدلات نمو إيجابية، وقد تعلن التقارير عن تحسن في بعض القطاعات، وقد تتصدر الإنجازات عناوين الأخبار، لكن السؤال الأهم يبقى: هل يشعر المواطن بهذا التحسن؟ وهل انعكس النمو على قدرته الشرائية، وفرص حصوله على عمل، وقدرته على مواجهة تكاليف المعيشة؟ فقد يسمع المواطن عن تحسن الأداء الاقتصادي، بينما لا يزال يشعر بثقل المصاريف اليومية، أو يجد أن دخله لا يواكب ارتفاع احتياجاته.

إن تقييم الأداء الاقتصادي يتطلب قراءة متكاملة لمجموعة من المؤشرات، من بينها معدلات البطالة والتضخم، ومستويات الأجور، وحجم الاستثمار، والدين العام، والقوة الشرائية. فهذه المؤشرات، عند تحليلها مجتمعة ومقارنتها عبر الزمن، تقدم صورة أكثر واقعية عن مسار الاقتصاد، بعيدًا عن الانتقائية في عرض النتائج أو الاكتفاء بالمؤشرات الإيجابية.

فالنمو الاقتصادي، على أهميته، لا يعني بالضرورة تحسن الأوضاع المعيشية لجميع المواطنين، وتبقى قيمته الحقيقية مرتبطة بقدرته على توليد فرص العمل، وتحسين الدخول، وتعزيز الإنتاجية، وتوسيع الفرص الاقتصادية. أما إذا ظل أثر النمو محدودًا في حياة الناس، فمن الضروري البحث في أسباب هذه الفجوة، ومدى قدرة السياسات المتبعة على تحويل المؤشرات الاقتصادية إلى نتائج ملموسة.

كما أن ارتفاع الإيرادات أو زيادة حجم الاستثمارات لا يكفيان وحدهما للحكم على نجاح السياسات الاقتصادية، ما لم تقترن هذه المؤشرات بقراءة واضحة لتأثيرها في الاقتصاد الحقيقي. فالمطلوب ليس مجرد تسجيل أرقام إيجابية، بل معرفة مدى استدامتها، والقطاعات التي تستفيد منها، وقدرتها على خلق قيمة مضافة وفرص عمل وتحسين مستوى الخدمات.

ولا يعني ذلك التقليل من الإنجازات التي تثبتها البيانات، أو تجاهل الظروف والتحديات التي تواجه الاقتصاد، بل وضع النتائج في سياقها الصحيح، والتمييز بين ما تحقق فعلًا وما لا يزال هدفًا معلنًا. فالتقييم الموضوعي لا يبالغ في الاحتفاء، ولا يتجاهل الإيجابيات، كما لا يسمح بحجب جوانب القصور خلف عبارات عامة عن النجاح والتقدم.

وهنا تبرز مسؤولية الإعلام الاقتصادي؛ فدوره لا ينبغي أن يقتصر على نقل التصريحات الرسمية أو تكرار عبارات الإشادة، بل يمتد إلى تحليل الأرقام، ومقارنة النتائج بالأهداف المعلنة، وطرح الأسئلة التي تساعد المواطنين على فهم حقيقة الأداء الاقتصادي. فالإعلام المهني ليس منصة للمديح أو التشكيك، بل أداة للتحليل والرقابة والمساءلة، تسهم في بناء نقاش عام يستند إلى المعلومات لا الانطباعات.

وفي المقابل، لا يكفي الاعتماد على الانطباعات الفردية وحدها للحكم على الاقتصاد، بل لا بد من الاستناد إلى بيانات موثوقة ومقارنات عادلة تراعي الظروف الاقتصادية والتغيرات عبر الزمن. فالموضوعية تقتضي الاعتراف بالتقدم حين تثبته الأرقام، والإشارة إلى أوجه القصور حين تكشفها المؤشرات، من دون انتقائية أو مبالغة.

في النهاية، لا يحتاج الاقتصاد إلى مزيد من التصفيق بقدر حاجته إلى نتائج واضحة، وشفافية في عرضها، وسياسات قابلة للقياس والمراجعة. فالمعيار الحقيقي للأداء الاقتصادي ليس ما يُقال عنه، بل ما تكشفه الأرقام، وما يلمسه المواطن في دخله وفرص عمله ومستوى معيشته.

فالاقتصاد بالأرقام لا بالتصفيق، وبالنتائج لا بالشعارات، وبما يُحقّقه للناس لا بما يُقال عنه.

مدار الساعة ـ