أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

تصفير الحسابات بالحروب


ماهر ابو طير

تصفير الحسابات بالحروب

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

كل المؤشرات تقول إنّ المرحلة المقبلة صعبة، ولا تجد معلومة واحدة تشير إلى الاستقرار، ليس في الشرق الأوسط وحسب، بل في دول العالم، وكأن الأرض تتهيأ لتغيرات لا تُبقي ولا تذر.

مظاهرات في أوروبا، احتجاجات معيشية في كل مكان، غلاء أسعار في الولايات المتحدة، تراجعات في كندا وأستراليا، وشرق أوسط فوق بركان ينتظر مواقيت الحروب المجدولة، إن لم يكن هذا الشهر، فستكون في الشهر الذي يليه، ومواجهات عرقية ومذهبية ودينية في دول العالم، ومشاعر عداء وكراهية، حتى تشعر بأنّ كل مكان حلت عليه اللعنات في سياق يأخذك إلى استنتاج أخطر، أي قرب هدم النظام الدولي والإقليمي.

لا يمكن لهذه الأوضاع العسكرية والاقتصادية والسياسية إلا أن تقود إلى واقع جديد، لكن بعضنا يعيش تحت التخدير ويعتقد أن مطابقة هذه المرحلة بسابقاتها أمرٌ ممكن، ربما لأن التغيرات غير سريعة، وتتسم بالبطء والتدرج، وعدم الترابط في الظاهر، لكننا في حقيقة الحال أمام عولمة من نوع ثان، إذ إن سفينة النفط التي لا تعبر مضايق البحار العربية، تدمر مصنعاً في الصين، وترفع سلعاً في البرازيل، وهذه هي إحدى سمات هذه المرحلة التي تحول فيها العالم إلى قرية صغيرة، يؤثر فيها كل قرار على بقية الدول.

لا توجد أي محاولات من أي طرف لوقف هذه الانهيارات وتخفيف الاحتقانات، بل يبدو واضحاً أن العالم يتحفز على مستوى قواه للنيل من بعضه بعضا، وحتى الأطراف التي تحاول تجنب الأزمات، أو ممارسة الحياد تفشل؛ لأن تأثير الأزمات لا يمكن وقفه، ولن يتمكن أحد من حصره في بلد واحد أو قارة واحدة.

الخبراء السياسيون والعسكريون والذين يستشرفون المستقبل في التحليلات يقولون لك ولغيرك إن العالم أمام سيناريو حرب عالمية ثالثة بدأ فعلياً، على أرضية صراعات محددة، وحروب معروفة تركت أثراً إنسانياً واقتصادياً، لكن أثرها سرعان ما تمدد إلى بقية العالم، وإذا صح هذا الكلام بهذا المعنى حرفياً، فإنّ إبقاء الملفات مفتوحة وعدم إطفاء نيران الأزمات المحدودة، أو تلك الثنائية، سيؤدي بالضرورة إلى انفلات كامل، وستسقط كل قواعد النظامين العالمي والإقليمي، ولن يتم إعادة بناء هذه القواعد مجدداً دون مواجهة يتم عبرها طحن الدول والشعوب، بما يمنح سيناريو الحرب العالمية الثالثة بحدها الأعلى صدقية كبيرة.

لا يمكن أن يستمر العالم بهذه الطريقة، إذ يكفي حجم المديونية الدولية التي دمرت الدول والشعوب، وأنهكت حياتها، إذ وفقاً لتقارير مرصد الديون العالمية الصادرة عن معهد التمويل الدولي، بلغت ديون العالم أكثر من 365 تريليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، وهو رقم مذهل وصاعق، يزيد من ثقله هذه الأزمات والاقتتال على الموارد، حتى نصل إلى مرحلة ستكون فيها الحرب حلاً وخلاصاً ودواءً للدول والأفراد للخلاص من هذا الواقع المزري الذي لم تعد البشرية قادرة على تحمله أكثر مما نرى هذه الأيام.

هذه مفارقة، فالحرب تقتل الشعوب وتدمر الدول، لكنها في هذه الحالة تصبح طوق نجاة للشعوب والدول، لأنها تفتح المجال لتصفير الحسابات، والتخلص من الأثقال، والبدء من جديد.

أما نحن في الشرق، فلا حل أمامنا سوى الصبر.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ