أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الشرق الأوسط بين الحسابات الانتخابية والخيارات العسكرية: نحو ردع عربي مشترك


احمد عبدالباسط الرجوب
باحث ومخطط استراتيجي

الشرق الأوسط بين الحسابات الانتخابية والخيارات العسكرية: نحو ردع عربي مشترك

احمد عبدالباسط الرجوب
احمد عبدالباسط الرجوب
باحث ومخطط استراتيجي
مدار الساعة ـ

تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات الانتخابية مع الخيارات العسكرية، وتتقاطع المصالح الأميركية والإسرائيلية والإيرانية مع مستقبل الأمن القومي العربي. وفي خضم هذه التحولات، يبرز سؤال استراتيجي: هل يمتلك العرب القدرة على المشاركة في صياغة مستقبل منطقتهم، أم سيبقون أمام ترتيبات تصنعها القوى الدولية والإقليمية وفق مصالحها؟

لقد أعاد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه الانتخابي الكامل لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تسليط الضوء على العلاقة بين الانتخابات والقرارات العسكرية، خصوصًا أن هذا الدعم تزامن، وفق تقارير متداولة لم تُؤكَّد رسميًا، مع حديث نتنياهو عن الاستعداد لتوجيه ضربة استباقية ضد إيران، حتى دون مشاركة أميركية مباشرة.

ويثير هذا التزامن قراءتين محتملتين: الأولى أن يكون الدعم الأميركي محاولة لتعزيز موقف نتنياهو انتخابيًا، بما يقلل حاجته إلى مغامرة عسكرية قبل الاقتراع؛ والثانية أن يعكس تفاهمًا سياسيًا بشأن استكمال المواجهة مع إيران، مع احتمال تأجيل التصعيد إلى ما بعد الانتخابات. وكلتا القراءتين تبقى فرضية تحليلية في غياب أدلة قاطعة على حسم قرار الحرب.

والأخطر عربيًا ليس احتمال الحرب وحده، بل إمكانية التوصل إلى تفاهمات أميركية إيرانية أو ترتيبات أمنية تعيد توزيع النفوذ دون مشاركة عربية مؤثرة. فالأخطر من أن يختلف الآخرون على مستقبل المنطقة، أن يتفقوا عليه في غياب العرب.

الأردن وتحديات الأمن الإقليمي

بالنسبة إلى الأردن، ترتبط هذه التحولات مباشرة بأمنه واستقراره السياسي والاقتصادي. فموقع المملكة الجغرافي وتشابك علاقاتها الإقليمية يجعلانها معنية بتداعيات أي مواجهة واسعة، سواء على أمن الحدود أو التجارة أو أسعار الطاقة.

وتبقى القضية الفلسطينية في صميم هذه المعادلة؛ إذ إن أي ترتيبات تتجاوز الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني تحمل انعكاسات مباشرة على المصالح الأردنية العليا. ومن هنا، فإن تعزيز الأمن القومي العربي يمثل مصلحة أردنية استراتيجية، تتكامل مع سياسة المملكة القائمة على الاعتدال وخفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية.

من الضمانات الخارجية إلى القدرة العربية

كشفت الأزمات المتلاحقة محدودية الاعتماد المفرط على الضمانات الأمنية الخارجية؛ فالقوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها، وقد تعيد ترتيب تحالفاتها عندما تتغير أولوياتها. ولا يعني ذلك القطيعة مع الولايات المتحدة أو الشركاء الدوليين، وإنما بناء علاقات متوازنة، مع امتلاك العرب قدرة مستقلة على حماية أمنهم.

ورغم امتلاك الدول العربية إمكانات عسكرية واقتصادية وبشرية مهمة، فإنها لم تنجح في تحويلها إلى منظومة دفاعية متكاملة. فالمشكلة ليست في غياب الاتفاقيات، وإنما في ضعف الإرادة السياسية وآليات التنفيذ، إضافة إلى التنافسات العربية البينية والتبعية الأمنية التاريخية لبعض الدول.

وتبقى اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي العربية لعام 1950 أساسًا قانونيًا يمكن البناء عليه. فالأمن القومي لا يتحقق ببيانات الشجب والاستنكار، بل بمؤسسات وقدرات مشتركة تجعل الاعتداء على أي دولة عربية صعب التنفيذ وباهظ التكلفة.

مبادرة القاهرة... نحو ردع عربي مشترك

في ظل هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى مبادرة عربية يمكن أن تتبناها مصر، بالدعوة إلى اجتماع تأسيسي في القاهرة، بمشاركة وزراء الدفاع والخارجية، وتحت مظلة جامعة الدول العربية. ويستند الدور المصري المقترح إلى ثقل مصر السياسي والعسكري وموقعها الاستراتيجي، دون تحميلها وحدها أعباء الأمن العربي، وإنما تمهيد الطريق لقيادة جماعية تحترم سيادة الدول.

وينبغي توجيه الدعوة لجميع الدول العربية، مع إمكانية تشكيل نواة تنفيذية من الدول المستعدة للعمل المشترك، وإبقاء باب الانضمام مفتوحًا. وتشمل الخطوات العملية إنشاء مجلس للتنسيق الدفاعي، وتطوير الإنذار المبكر والدفاع الجوي، وحماية المنشآت والممرات البحرية، وتبادل المعلومات، وتنظيم التدريبات المشتركة، وتعزيز الصناعات الدفاعية العربية.

وللأردن، بخبراته العسكرية والأمنية والدبلوماسية، دور مهم في بلورة هذه المنظومة. على أن نجاح هذا الطرح يبقى رهينًا بتجاوز حساسيات السيادة والتوازنات الإقليمية بين القوى العربية الكبرى، وهو ما يستدعي صيغًا مرنة للتنسيق لا تثير مخاوف أي طرف.

الردع العربي... حماية السلام لا توسيع الحروب

ينبغي التمييز بين بناء منظومة دفاعية عربية وبين تشكيل تحالف هجومي ينخرط في صراعات المنطقة. فالتضامن مع السعودية ودول الخليج لا يعني بالضرورة المشاركة في عمليات عسكرية توسع المواجهة، خصوصًا في اليمن، بل إعطاء الأولوية لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، بالتوازي مع الوساطة ووقف التصعيد.

وتقدم التجربة المصرية في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي درسًا بشأن مخاطر الاستنزاف، وأهمية تحديد أهداف أي مشاركة عسكرية وحدودها القانونية والدستورية. فالردع الحقيقي لا يقوم على إعلان الاستعداد للحرب، بل على امتلاك القدرة التي تمنع وقوعها.

من انتظار الحماية إلى صناعة المستقبل

إن إعادة الاعتبار للعمل العربي المشترك تتطلب تفعيل الاتفاقيات القائمة، ووضع التزامات واضحة وجداول زمنية وآليات للمساءلة والتنفيذ. كما أن الأمن العربي يتجاوز الجانب العسكري ليشمل الطاقة والغذاء والمياه والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد؛ فالاستقلال الاستراتيجي لا يكتمل دون قدرة اقتصادية على الصمود.

وإذا كانت واشنطن وتل أبيب وطهران تتحرك وفق مصالحها، فمن واجب الدول العربية بناء رؤية مستقلة لحماية أمنها ومستقبل شعوبها. إن الأردن يحتاج إلى محيط عربي متماسك، كما يحتاج العرب إلى منظومة دفاعية تجعلهم شركاء في صناعة التوازنات الإقليمية، لا مجرد متلقين لنتائجها.

فالدول التي لا تشارك في صناعة أمنها ستجد نفسها أمام ترتيبات يصوغها الآخرون وفق مصالحهم. والأمن القومي العربي مسؤولية عربية أولًا، والسيادة لا تحميها الشعارات، بل إرادة مستقلة، وقرار جماعي مسؤول، وقدرة حقيقية على الردع تجعل السلام خيارًا تحميه القوة، لا أمنية ترتهن لتقلبات المصالح الدولية.

مدار الساعة ـ