أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الربيع العربي والخريف الأوروبي.. حين تختلف الظروف وتتشابه الأزمات


الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق

الربيع العربي والخريف الأوروبي.. حين تختلف الظروف وتتشابه الأزمات

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

ما بدأ شرارة في سيدي بوزيد قبل ست عشرة سنة يعود اليوم في صورة أخرى إلى شوارع باريس وصناديق اقتراع ساكسونيا أنهالت. فحين أحرق محمد البوعزيزي نفسه عام 2010، اعتقدت العواصم الأوروبية أن ما يجري جنوب المتوسط شأن إقليمي محدود الأثر. لم يكن الجنوب بعيدا كما ظنت أوروبا، ولم يكن الشمال محصنا كما ظن. فبين الربيع العربي والخريف الأوروبي ظروف مختلفة جذريا، لكن في جوهرهما أزمة واحدة: عقد اجتماعي استنفدت صلاحيته، وجيل لا يجد ما وُعد به، ومؤسسات لم تعد تُقنع من تحكمهم.

وقد سلكت دول الجنوب مسارات متباينة: بعضها احتوى التحولات، أما الأنظمة السلطوية المغلقة التي لم تتح لمجتمعاتها قنوات حقيقية للتعبير، فانتهى الربيع فيها إلى حروب وانقسام واستبداد. وفي المقابل تواجه أوروبا تحديات تختبر مسلّمات ما بعد الحرب الباردة. والمقارنة بين الأزمتين ليست بلاغية، فثمة روابط سببية وأوجه تشابه بنيوية، مع إدراك الفوارق الكبيرة بين السياقين.

لم يكن الربيع العربي ثورة جياع ولا ثورة فيسبوك بالمعنى السطحي، بل انهيار لعقد اجتماعي قام على صفقة ضمنية: يتنازل المواطن في دول الأنظمة السلطوية عن السياسة وتوفر الدولة الوظيفة والدعم والاستقرار. واستنزفت الصفقة بانفجار ديموغرافي ضخ ملايين الشباب المتعلمين في أسواق لا تستوعبهم، وباقتصاد ريعي وفساد جمعا الثروة حول السلطة، وبثورة اتصالية كسرت احتكار الرواية. وقد سبق ابن خلدون توكفيل حين رأى أن الجباية الثقيلة تفقد الدولة شرعيتها قبل سلطانها، وصدق توكفيل في أن الثورات تندلع حين تتسع الفجوة بين ما وعد به الناس وما أتيح لهم، لا حين يبلغ البؤس ذروته.

لكن الغضب افتقر إلى ما يحوله إلى نظام، وهذا ما فسره هنتنغتون بأن المشاركة تتسع أسرع من المؤسسات القادرة على استيعابها. فأسقط رأس السلطة وعجز عن بناء البديل، إذ غابت الأحزاب الراسخة والمؤسسات الوسيطة، والتدخلات الخارجية جاهزة لتحويل كل فراغ إلى ساحة صراع. فعاد النظام القديم أحيانا بوجه آخر، واشتعلت الحروب في سورية وليبيا واليمن، وتراجعت تونس. وكما قال غرامشي: القديم يحتضر والجديد لم يولد، وفي هذا الفراغ تظهر أعراض مرضية شتى. ولم يبق الفراغ فارغا، فقد ملأته روسيا وتركيا في ليبيا والساحل، والصين وغيرها عبر الموانئ والاستثمار.

ومن هذا الفراغ امتد الأثر إلى أوروبا عبر ثلاث قنوات: اللاجئون، إذ بلغت موجة النزوح السوري ذروتها عام 2015 بأكثر من مليون طلب لجوء؛ والأمن، إذ ارتدت هجمات تنظيمات متطرفة غذتها دول منهارة وقوى استثمرت في فوضاها إلى باريس وبروكسل وبرلين؛ والجوار، إذ اكتشفت أوروبا أن الاستقرار في جنوبها لا غنى عنه، وأن كلفة خسارته تظهر سريعا على حدودها.

غير أن اللاجئين والإرهاب لم يصنعا أزمة أوروبا بل كشفاها، فلم تتعاف القارة من أزمة 2008 وأزمة اليورو: خلف التقشف جيلا غير مستقر، وأفرغ تفكيك الصناعة مناطق كاملة شعر أهلها بأن صوتهم لا يصل إلى مراكز القرار. وقد وصف بولانيي ذلك قبل نحو ثمانين عاما: حين يترك السوق بلا ضابط اجتماعي يتولد رد فعل يطلب الحماية، وجاء في أوروبا قوميا لأن البديل التقدمي لم يعد يقنع. وتتداخل مع الاقتصاد عوامل هوياتية لا يصح اختزالها في العنصرية ولا إنكارها: مجتمعات تشيخ وتواجه تحولات ديموغرافية سريعة، وأسئلة حادة حول الهوية والاندماج، وهو ما سماه كراستيف "الذعر الديموغرافي"، وهو لم تخترعه الأحزاب اليمينية الجديدة بل أحسنت تنظيمه سياسيا. وهنا تقترب بعض المجتمعات الأوروبية من نظيراتها العربية: تآكلت الأحزاب التقليدية، وتقاربت برامج اليمين واليسار، وجاء وسيط رقمي جديد يضعف شرعية الرواية الرسمية قبل أن يظهر بديل يملأ الفراغ.

وتكشف خريطة اليوم حجم التحول. ففي ألمانيا حقق حزب البديل نحو 44 % في ساكسونيا أنهالت في (أيلول) وفاز في مكلنبورغ فوربومرن، ووصف قادة الائتلاف الحاكم النتيجة بنقطة تحول، أشبه بالكارثة. وفي المجر خسر أوربان بعد ست عشرة سنة أمام بيتر ماغيار، الذي فاز في (نيسان) 2026 بحملة ضد الفساد وبرامج حول الصحة والنقل، لا بأيديولوجيا ليبرالية. فالناخب الأوروبي يحاسب الإخفاق الإداري أيا كان لونه، والمسار ليس خطا مستقيما نحو اليمين.

وتبقى فرنسا المختبر الأوضح. فمنذ حل البرلمان عام 2024 تعيش أطول أزمة سياسية في الجمهورية الخامسة: خمسة رؤساء حكومة في أقل من سنتين وحكومة أقلية تنجو بتفاهمات هشة. وموازنة 2027 تقترح نحو 54 مليار يورو من الوفورات، وعائد السندات الفرنسية تجاوز الألمانية لأول مرة منذ ذروة أزمة اليورو، وصندوق النقد يحذر من "درج لا يؤدي إلى الجنة". وفي تموز أيدت محكمة الاستئناف إدانة لوبان لكنها خففت مدة الحرمان بما يتيح لها الترشح، فأعلنت سباقها للرئاسة، ويتصدر اليمين القومي الاستطلاعات.

وتتجاوز الصورة صناديق الاقتراع إلى الشارع. ففي فرنسا انطلقت احتجاجات طلابية هي الأكبر منذ عقود وسببها المباشر التعليم، وتبادلت الحكومة والمعارضة الاتهام بتوظيف الغضب انتخابيا. وفي بلجيكا اتسعت الاعتراضات على التقشف، وفي إيطاليا تصاعد الغضب من غلاء الأسعار وغيرها من الدول. ومن ارتفاع أسعار الوقود وإصلاح المدارس إلى الخلافات والإصلاحات الاقتصادية والسياسية، تختلف الاتجاهات والمطالب لكن الهدف واحد: الأوضاع الاقتصادية وإصلاح التعليم. والدلالة الأعمق أن هذا الاحتجاج يحمل بصمة الربيع العربي لا شكله: جيل موعود بمستقبل مستقر يصطدم بدولة مثقلة بالدين، وناخب يريد إنفاقا أكبر وضرائب أقل وعجزا أصغر في آن واحد. وحين ينسد أفق السياسة العادية يصعد من يعد بكسر القواعد.

وجاءت الصدمات الخارجية لتسرع التآكل. فحرب أوكرانيا دخلت عامها الخامس بلا أفق للحسم، ومحادثات أميركية متعثرة وصفها روبيو بجمود خطير. ثم أغلقت الحرب الأميركية-الإسرائيلية والإيرانية في شباط 2026 مضيق هرمز، فقفزت أسعار الغاز في أوروبا نحو 60 %. ورفعت المفوضية توقعها للتضخم إلى 3 %، وخفضت ألمانيا توقع نموها إلى النصف. فوجدت أوروبا نفسها متأثرة بملفين يمسان أمنها مباشرة دون أن تملك أدوات القوة للتأثير فيهما، وتجسد ما حذر منه تقرير دراغي: قارة تتخلف في التكنولوجيا والإنتاجية، وتعتمد في أمنها على شريك أطلسي أقل التزاما، وفي طاقتها على مضائق لا تشارك في التحكم بها. وهنا تتحول الجغرافيا إلى مصلحة: فغاز الجزائر وليبيا وشرق المتوسط بديل أقرب وأقل هشاشة من غاز يمر عبر مضيق مغلق، ومن الغاز الروسي الذي تقيده العقوبات الأوروبية.

ويكشف ملف الهجرة طبيعة اللحظة. فقد أقر البرلمان الأوروبي لائحة العودة التي تجيز مراكز ترحيل خارج أراضي الاتحاد بعدما صوت محافظون مع اليمين، فأصبح مطلب اليمين الهامشي تشريعا أوروبيا. لكن أقل من 30 % ممن صدرت بحقهم قرارات مغادرة يمتثلون، فالمسألة ليست الهجرة وحدها بل الثقة بقدرة الدول على الإنجاز. وفي الأمر مفارقة: تتعاقد أوروبا على ضبط الهجرة مع بعض حكومات الجنوب، كما في اتفاق تركيا وترتيبات ليبيا وتونس، فتعيد إنتاج مقايضة "الاستقرار مقابل الإصلاح" التي أسقطها الربيع نفسه.

وإذا جمعنا الخيوط ظهر أن أوروبا تواجه معضلة شبيهة بما واجهته دول جنوب المتوسط نفسها: عقد اجتماعي استنفدت صلاحيته. فقد قام عقد ما بعد 1945 على نمو يمول دولة رفاه، ومظلة أمنية رخيصة، وطاقة وفيرة، وسوق مفتوحة، وكل ركن منها يتصدع اليوم: النمو بطيء، والشيخوخة تضخم كلفة التقاعد والصحة، والأمن أغلى، والعولمة تنقسم إلى كتل متنافسة. ومثلما لم تعد تونس وغيرها قادرة على وعد شبابها بوظيفة حكومية، لم تعد الدول الأوروبية قادرة على وعد جيلها بتعليم وبحياة أفضل من آبائه. لكن ينبغي الاحتراز من إفراط التشبيه، فمؤسسات أوروبا راسخة وأزمتها ديمقراطية الإطار، وقد أثبتت المجر أن الناخبين يحاسبون من أخفق. والخريف موسم حصاد أوروبي قبل أن يكون موسم تساقط الورق.

وما ينتظر القارة قد يتخذ ثلاثة مسارات. الأول انحدار مدار بإصلاحات جزئية وحكومات هشة تتآكل معها القدرة التنافسية دون انهيار، ويتراجع معه تأثير أوروبا في العالم. والثاني تحول تدريجي في طبيعة المشروع الأوروبي مع توسع اليمين القومي في الحكم. والثالث قفزة فيدرالية نحو دفاع واقتراض مشتركين وسياسة صناعية منافسة، وهي قفزة يعلمنا التاريخ أنها تأتي تحت ضغط الأزمة، لكنها تستلزم قيادة قادرة على بناء توافق واسع، وتزيد الحرب في أوكرانيا ذلك صعوبة.

والاستشراف ممكن لأن أجندة الأشهر المقبلة معروفة. فموازنة فرنسا في تشرين الثاني ستحدد علاوة المخاطر وخطاب القطيعة، وإن مررت بتسوية هشة اشترت وقتا إلى الربيع. وانتخابات نيسان 2027 سيحسمها من يملك رواية اقتصادية موثوقة لا من يملك شعارات الهوية. وقد تدفع ألمانيا إلى خيار مؤلم بين التحالف مع اليسار وكسر الجدار العازل مع اليمين. وأتوقع أن يبقى اليمين الأوروبي قوة مركزية لا عابرة، لكن اختبار الحكم سيكشف الفارق بين خطاب الغضب وقدرة الإنجاز، كما كشفته خسارة أوربان؛ وقد يتكيف مع المؤسسات بدل أن يهدمها، كما فعلت ميلوني في إيطاليا، فيكون التحول أبطأ وأعمق.

وقد يتحدد مستقبل أوروبا بثلاثة اختبارات: إعادة بناء قاعدتها الاقتصادية والتكنولوجية والطاقوية قبل أن يتسع الفارق مع المنافسين؛ وصياغة سياسة هجرة ودمج تجمع الحزم والعدالة وتسحب البساط من خطاب الفوضى دون التنازل عن القيم التي تميزها؛ واستعادة الثقة بين المواطن والمؤسسة، وهي تعود حين تبدأ النتائج بالظهور. وهنا يصدق تحليل هيرشمان، وهو ما أظهره الربيع العربي: المجتمعات التي لا تجد قنوات كافية لإسماع صوتها تعبر عنه في الشارع.

وليست هذه الأزمة شأنا أوروبيا خالصا، فانعكاساتها كبيرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط. فسورية ما بعد الأسد مثال: حيث قدر البنك الدولي حاجات إعادة إعمارها بنحو 216 مليار دولار، بينما تبقى حزمة التعافي الأوروبية بمئات الملايين من اليورو، ما يجعل رأس المال الإقليمي لا غنى عنه، فيما تشارك تركيا في رسم ملامح الأمن والطاقة هناك. وقد تغدو سورية ممرا بريا بين أسواق الخليج وأوروبا عبر الأردن. وحين تنشغل أوروبا بأزماتها، ترسم قوى أخرى قواعد الإعمار وخرائط النفوذ في المنطقة، ولا يبقى لها سوى ما تملكه فعلا: القواعد والمؤسسات وربط الدعم ببناء الدولة، وهذه لا تمارس من قارة منقسمة على نفسها.

والدرس مزدوج هنا. فاستقرار الضفة الجنوبية وتنميتها وتشغيل شبابها أقل كلفة على أوروبا من إدارة تداعيات انهيارها. وعلى بعض العرب ألا يقرأوا خريف أوروبا شماتة، فشرعية الأنظمة لا تشترى ولا تحمى بالصورة، بل تجدد كل يوم بالإنجاز.

وهكذا يبدو الربيع العربي والخريف الأوروبي فصلين من حكاية واحدة وإن اختلف مشهدها، عنوانها بناء الثقة بين المجتمعات ومؤسساتها في عالم يتغير بسرعة. وهنا فإنه لمن الضروري أن يبادر الجميع إلى توسيع المشاركة وتعزيز التعاون عبر المتوسط، فالإصلاح الذي يأتي مبكرا بإرادة المؤسسات أقل كلفة وأكثر استدامة.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ