أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المطر على أسطحنا.. والعطش في حساباتنا


أ.د. نورس شطناوي

المطر على أسطحنا.. والعطش في حساباتنا

مدار الساعة ـ

في الشتاء، نمدّ أيدينا من النوافذ لنتأكد أن المطر بدأ. وفي الصيف، نمدّ أعناقنا نحو خزانات المياه لنتأكد أن الماء لم ينتهِ. وبين المشهدين، تمرّ فوق أسطحنا مياه تستحق أن نسأل: كم احتفظنا من خير السماء لأيام الانتظار؟ وكم مرة اكتفينا بتصوير المطر، ثم تركناه يغادر البيت؟

للمطر في الوجدان الأردني مكان يشبه مكان الضيف العزيز. نستقبله بالدعاء، ونفتح له الذاكرة، وتسبق رائحة التراب نشرات الأخبار إلى قلوبنا. وتحضر مع الغيمة حكاية بئر قديمة، ومزراب، وشجرة كانت الأسرة تحسب لها نصيباً من الماء. لقد عرف أجدادنا قيمة التخزين بالتجربة، وأصبح بإمكاننا اليوم تطوير تلك المعرفة بالقياس والتصميم والتحليل المكاني.

ومع اقتراب الشتاء، أعاد تقرير لوكالة الأنباء الأردنية -بترا- عن حصاد مياه الأمطار من أسطح المنازل هذه الفكرة إلى الواجهة. والسؤال الذي يستحق إجابة هندسية واضحة هو: كيف نحول سطح المنزل إلى مساحة منتجة للمياه، بمنظومة آمنة ومجدية يمكن للأسرة إدارتها؟

تبدأ الإجابة بحساب بسيط. ففي مثال افتراضي، إذا بلغت مساحة السطح الأفقية المتصلة بمنظومة الجمع مئتي متر مربع، وتلقى الموقع ثلاثمئة مليمتر من المطر سنوياً، فإن حجم المطر الساقط عليها يعادل ستين متراً مكعباً. وبافتراض كفاءة جمع قدرها ثمانون بالمئة، بعد احتساب الفواقد، يصبح المورد النظري القابل للجمع نحو ثمانية وأربعين متراً مكعباً سنوياً. هذا تقدير توضيحي يتغير بحسب الموقع والسطح والموسم، كما أن الكمية المستخدمة فعلياً تتأثر بسعة الخزان وتوقيت الاستهلاك.

وهنا تظهر أهمية التصميم: كمية المطر السنوية وحدها لا تحدد حجم الخزان المناسب. فقد يتجمع جزء كبير منها خلال أيام قليلة، ثم تتباعد الهطولات. نحتاج إلى موازنة زمنية تحسب ما يدخل الخزان وما يُستهلك منه وما يفيض عنه، باستخدام سجلات المطر والطلب المتوقع. خزان صغير قد يفقد فرصة التخزين، وخزان مبالغ في حجمه قد يحمّل الأسرة كلفة لا تستردها. والهندسة الجيدة تبحث عن الحجم الذي يحقق منفعة واقعية بكلفة مقبولة.

ومن صلب هندسة المساحة والجيوماتكس، يمكن الانتقال من تقدير منفرد لكل بيت إلى خريطة لفرص الحصاد المائي في الأحياء. فالصور الجوية والمرئيات عالية الدقة تساعد على تحديد مساحات الأسطح، وتتيح النماذج ثلاثية الأبعاد دراسة ميولها ومسارات تصريفها. وعند دمجها ببيانات المطر داخل نظم المعلومات الجغرافية، نستطيع ترشيح المباني الأكثر ملاءمة للدراسة، على أن يتحقق الكشف الميداني من مادة السطح، وحالته، وإمكان تركيب المنظومة. بذلك تتجه الاستثمارات إلى مواقع تدعمها الأدلة.

أما التفاصيل الصغيرة فتقرر نجاح المشروع. أقطار المزاريب والأنابيب تُحسب وفق شدة المطر التصميمية ومساحة التجميع؛ فالمعدل السنوي لا يخبرنا بسرعة اندفاع الماء أثناء عاصفة. كما تحتاج المنظومة إلى مصافٍ للشوائب، ووسيلة لتحويل الدفعة الأولى من الجريان التي قد تحمل غبار السطح، وخزان محكم قابل للتنظيف. وهذه الإجراءات تساعد على تحسين الجودة، وتبقى صلاحية المياه لكل استخدام مرتبطة بمتطلباته، ولا تصبح صالحة للشرب بمجرد تجميعها.

ويستحق التخزين نفسه عناية إنشائية واضحة؛ فكل متر مكعب من الماء يضيف نحو طن من الكتلة. ووضع خزانات إضافية فوق المباني يحتاج إلى تحقق من قدرة العناصر الحاملة. كما يتطلب التخزين الأرضي دراسة الموقع والعزل وعلاقته بالأساسات، مع مفيض آمن عند الامتلاء وفصل شبكة المياه المحصودة عن شبكة مياه الشرب. الماء الذي نريد الانتفاع به يجب أن يصل إلى مكانه دون أن يتحول إلى مصدر ضرر للمبنى.

وعلى مستوى الحي، يمكن للخزانات أن تحتجز جزءاً من الجريان أثناء الهطول، بحسب السعة الفارغة المتاحة فيها. ولهذا أقترح تجارب في مدارس ومبانٍ عامة، تُجهز بمقاييس بسيطة للمطر ومستوى التخزين والاستهلاك، ثم تُعلن نتائجها: كم جمعنا؟ وكم استخدمنا؟ وما كلفة المتر المكعب المنتفع به بعد احتساب التشغيل والصيانة؟ تلك أسئلة تجعل التوسع قراراً مدروساً.

سيأتي المطر، وسنفرح به كما نفعل دائماً. ويستحق هذا الفرح أن يرافقه عمل يجمع ذاكرة البئر القديمة بمعرفة المهندس وأدواته. وفي الصيف المقبل، حين نصعد لنتفقد الخزانات، سيكون جميلاً أن نجد شيئاً من شتائنا ما زال معنا.

فالأسطح التي تستقبل المطر كل عام، تستحق أن تدخل حساباتنا المائية.

مدار الساعة ـ