أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

'بودكاست الرئاسة' أبعد من الإعلام.. وأعمق من الصورة


محمد علي الزعبي

'بودكاست الرئاسة' أبعد من الإعلام.. وأعمق من الصورة

مدار الساعة ـ

من المتوقع انه خلال فترة قصيرة، سينطلق من رئاسة الوزراء «بودكاست الرئاسة»، بالتوازي مع ريلزات توثّق الإنجازات وتضعها أمام الرأي العام بلغة العصر وأدواته. وهي خطوة تستحق أن تُقرأ بأفق يتجاوز حدود الإعلام والاتصال الحكومي؛ فالأمر لا يتعلق بمجرد منصة جديدة تضيف حضوراً رقمياً إلى مؤسسة رسمية، بل بفكرة تحمل في جوهرها دلالات اقتصادية وتنموية أوسع، وتفتح الباب أمام نموذج تتكامل فيه مؤسسات الدولة في إنتاج الأثر، وتلتقي فيه صناعة المحتوى مع اقتصاد المعرفة، وتتقاطع فيه المهارات الإبداعية مع فرص العمل. ففي زمن لم يعد فيه الإنجاز كافياً ما لم يصل أثره إلى الناس، ولم تعد فيه المعلومة حبيسة التقارير والبيانات، يصبح امتلاك أدوات التواصل الحديثة جزءاً من كفاءة المؤسسة وقدرتها على شرح ما تنجزه، وإظهار أثره، وربط السياسات العامة بحياة المواطنين وتطلعاتهم، إنها في جوهرها، نقلة من مجرد الإعلان عن الإنجاز إلى بناء روايته، ومن عرض النتائج إلى توسيع أثرها، ومن التواصل بوصفه وظيفة إعلامية إلى توظيفه رافعةً للتنمية والاقتصاد.

والأهم أن هذه الفكرة لا تقف عند حدود ما تقوله الكاميرا، بل تمتد إلى ما تحرّكه خلفها من دورة اقتصادية متكاملة؛ فخلف كل حلقة بودكاست، وكل مادة مرئية، وكل ريلز احترافي، سلسلة من المهن والخدمات تشمل البحث والإعداد وكتابة النصوص والتصوير والإخراج والمونتاج والتصميم والتسويق الرقمي وتحليل البيانات، وهي مساحة قابلة لفتح أبواب حقيقية أمام الشباب والمبدعين والشركات الصغيرة والمستقلين، وتحويل المهارات الرقمية من طاقات كامنة إلى أعمال مدرّة للدخل وفرص قابلة للنمو، وإذا أُحسن بناء التجربة على أساس الاستدامة والجودة وإتاحة المشاركة للكفاءات المحلية، فإن أثرها لن يُقاس بما تنتجه من محتوى فحسب، بل بما تستنهضه من مواهب، وما تحفّزه من خدمات، وما تسهم فيه من توسيع سوق الاقتصاد الإبداعي، وهنا تكمن المفارقة الجديرة بالتأمل،، مشروع يبدأ من منصة إعلامية، لكنه قادر على تحريك سلسلة من الأعمال والمهن، بحيث لا تكون الصورة مجرد انعكاس للإنجاز، بل جزءاً من منظومة اقتصادية تتولد فيها الفرص من الفكرة، وينمو فيها العمل من الإبداع.

ومن هذه الزاوية، تبرز أهمية أن يكون «بودكاست الرئاسة» أكثر من نافذة منفردة، وأن يتحول إلى مساحة جامعة تتقاطع فيها مؤسسات الدولة، وتتلاقى عبرها قصص الاستثمار والإنتاج والتشغيل والتعليم والتدريب والتحول الرقمي، فالمشروع الاقتصادي لا يكتمل بمجرد الإعلان عنه، بل بقصة تشرح كيف تهيأت شروطه، وكيف تكاملت المؤسسات لإنجازه، وما أتاحه من فرص، وما تركه من أثر في حياة الناس، وحين تُروى هذه القصة بمهنية وشفافية، فإنها لا تعزز فهم الجمهور للإنجاز فحسب، بل تكشف أيضاً الروابط بين القرار والتنفيذ، وبين الاستثمار والتشغيل، وبين تأهيل الشباب واحتياجات السوق، وفي بلد كالأردن، تظل فيه فرص العمل وتمكين الشباب وتوسيع القاعدة الإنتاجية من القضايا الوطنية الملحّة، يمكن لهذه المبادرة أن تشكّل جسراً بين الاتصال الحكومي والاقتصاد الوطني، وبين المؤسسات العامة والقطاع الخاص والمواهب المحلية، على أن يبقى معيار النجاح أبعد من أعداد المشاهدات، فيُقاس بجودة المحتوى وصدقيته، وبما يتيحه من فرص للمبدعين، وما يعززه من تعاون مؤسسي، وما يضيفه إلى المعرفة العامة والثقة المبنية على نتائج قابلة للتحقق، فالقيمة ليست في أن نُكثر من رواية الإنجازات، بل في أن نجعلها مفهومة، وأن نكشف أثرها، وأن نفتح من خلالها آفاقاً جديدة للمشاركة والإنتاج.

إن الرهان الحقيقي على «بودكاست الرئاسة» ليس في إطلاقه بحد ذاته، بل في الرؤية التي ستُبنى عليه؛ رؤية تجعل من الإعلام الحديث أداة لتكامل الجهود، ومن المحتوى مساحة لتوليد القيمة، ومن الإنجاز الوطني نقطة انطلاق لإنجازات أخرى، فالدولة التي تحسن التواصل مع مجتمعها لا تكتفي بأن تقول ماذا فعلت، بل تشرح لماذا فعلت، وماذا تغيّر، وأين تكمن الفرص، وكيف يمكن توسيع أثرها، وحين تتلاقى الرئاسة مع المؤسسات الاقتصادية والتشغيلية والتعليمية والثقافية والرقمية في منظومة متكاملة، يصبح المحتوى نافذة على اقتصاد يتحرك، ومهارات تتطور، وأعمال تنمو، وفرص تتشكل، إنها فكرة تبدأ من رئاسة الوزراء، لكنها لا ينبغي أن تنتهي عند حدودها؛ تبدأ بكاميرا وميكروفون، لكنها تستطيع أن تمتد إلى سوق العمل؛ وتروي إنجازاً تحقق، لكنها تفتح الطريق أمام قيمة جديدة تُصنع، فليس أعظم ما يمكن أن تفعله منصة أن تجعل الإنجاز مرئياً فحسب، بل أن تجعل أثره أوسع، وفرصه أقرب، ومردوده أبقى، وعند هذه النقطة تحديداً، يغدو «بودكاست الرئاسة» أكثر من مشروع إعلامي، يصبح استثماراً في الإنسان، وفي الإبداع الوطني، وفي قدرة مؤسسات الدولة على تحويل الإنجاز من خبر عابر إلى قيمة اقتصادية وتنموية مستدامة.

مدار الساعة ـ