أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عمان.. ليست مدينة نسكنها بل أم تسكننا

مدار الساعة,مقالات
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - بقلم الصحفي رفاد العياصرة - في نهاية كل الكتب، يكتب الكاتب خاتمة. وفي نهاية هذا الكتاب، لا أستطيع أن أكتب خاتمة، لأن عمان لا تختم.

عمان تبدأ كل يوم من جديد.

يقولون لك: عمان مدينة حجر أبيض. وهذا كذب جميل. عمان ليست حجراً. لو كانت حجراً لهدمها الزلزال أو ملها الناس. عمان كائن حي، يتنفس، يتعب، يغار، يحزن، ويفرح مثلنا تماماً.

عمان ليست كدبي تبنى بالمال، ولا كبيروت تبنى بالبحر. عمان تروى. تروى بعرق العامل الذي نزل من جبل القلعة في الخامسة فجراً، وبدموع أم انتظرت ابنها المغترب على دوار الداخلية، وبضحكة بنت جامعية أول مرة تشرب قهوة في جبل اللويبدة.

كل المدن على الخريطة، إلا عمان في القلب. لذلك لا يمكنك أن تفهم الأردن إذا لم تفهم عمان، ولا يمكنك أن تفهم عمان إذا لم تمشِ فيها على قدميك.

تعالوا نقضي يوماً واحداً في جسد عمان لتعرفوا لماذا نحبها هذا الحب الموجع:

في الصباح.. تتنفس عمان:

تستيقظ عمان ليست على صوت المنبه، بل على رائحة خبز الطابون في الأشرفية والجوفة والمصدر. رائحة قمح وعرق. تجد شباك المخبز صغيراً لكن قلبه كبير، تجد الرجل العجوز يخبز ومعه حفيده يتعلم. هنا، في شرق عمان، تتعلم معنى البركة. لقمة بسيطة تكفي عائلة، وكلمة "تفضل" تقال حتى لو لم يكن هناك إلا رغيف واحد.

عمان في الصباح أم حنونة، تصحي أولادها للمدارس والجامعات والجيش، تعطي كل واحد سندويشة زعتر وتقول له "الله يرضى عليك".

في الظهيرة.. تتعب عمان:

تتعب عمان، نعم تتعب مثل أي أم عاملة. تتعب في عمان الغربية، في زحمة الدوار السابع والثامن، في شوارع عبدون وخلدا حيث السيارات الفارهة تزاحم باصات الطلاب. هنا ترى عمان الأخرى، عمان التي تحاول أن تكون حديثة، أنيقة، مرتبة، تلبس الكعب العالي وتجري لتلحق العالم.

تتعب عمان من المقارنة، من كلام الناس "عمان الشرقية وعمان الغربية". وهي المسكينة تحاول أن تضم الاثنتين في قلب واحد، وتعطي ابن الأشرفية وابن عبدون نفس الفرصة.

في المساء.. تحزن عمان:

وهنا سر عمان العميق. في المساء، عندما تغرب الشمس عن جبالها السبعة، تحزن عمان حزناً حقيقياً. تحزن عندما ترى شبابها، خيرة شبابها، يهاجرون من خلدا وتلاع العلي ودير غبار، يحملون شهاداتهم ويبحثون عن فيزا، عن عمل في الخليج أو كندا.

كل شقة مغلقة في عمان الغربية هي قصة أم بكت في المطار. عمان تعرف أسماءهم واحداً واحداً، وتعرف أنهم لم يهاجروا كرهاً بها، بل حباً بأولادهم القادمين.

تحزن عمان بصمت، مثل أم أردنية لا تشتكي، تضع صورة ابنها على الثلاجة وتنتظر مكالمته يوم الجمعة.

في الليل.. تفرح عمان وتعود لأصلها:

فإذا جاء الليل، إذا جاءت الساعة التاسعة، تنسى عمان كل تعبها وحزنها، وتفرح. أين تفرح؟ ليس في المولات.

تفرح عمان عندما ينزل أولادها الحقيقيون إلى وسط البلد. عندما يمتلئ شارع الملك فيصل بأبناء الجوفة والأشرفية وجبل النظيف واللويبدة والمهاجرين. عندما ترى العاشقين يأكلون كنافة حبيبة، والأصدقاء يشربون شاي على الرصيف، والصغار يضحكون أمام المسجد الحسيني.

في الليل، تعود عمان لطفولتها. تنسى أنها عاصمة، وتتذكر أنها قرية كبيرة، بيت واحد كبير فوق سبعة جبال.

الاطراء الأخير - لماذا لا نستطيع تركها؟

عمان لا تحب أن تمدح كثيراً، فتخجل مثل البنت البدوية. ولا تحب أن تشتم كثيراً، فتغضب مثل أمك إذا قللت أدبك عليها.

هي مثل أم أردنية بالضبط: قاسية وحنونة في نفس الوقت. قاسية عندما تعطيك بيتاً صغيراً ضيقاً فوق جبل، تدفع أقساطه عشرين سنة، والشتاء يدخل من شباكه. وحنونة جداً عندما تأخذ منك قلبك كله، فلا تستطيع أن تحب مدينة بعدها.

تعطيك القليل من الحجر، وتأخذ منك الكثير من الحب. وهذه هي تجارتها الرابحة.

لذلك، وآخر جملة في هذا الكتاب كله:

"كل المدن في العالم تبنى بالحديد والإسمنت والمهندسين.. إلا عمان، فهي لا تبنى، هي تروى.. تروى بدموع جبالها السبعة، وبضحكات أحيائها الشعبية، وبدعاء أم وقفت على باب بيتها في جبل القصور وقالت: الله يحمي هالبلد".


مدار الساعة ـ