مدار الساعة - تحت عنوان "كيف بنى الأردن قاعدة صناعية تصديرية خلال العقد الأخير، وما الذي تحتاجه سوريا لاستعادة مكانتها الصناعية؟" نشرت بوابة الأعمال السورية دراسة جاء فيها:
لا يمكن تفسير التحول الصناعي الأردني خلال السنوات الأخيرة بوصفه نتيجة مباشرة للحرب السورية فقط، كما لا يمكن اختزاله في انتقال عدد من الصناعيين السوريين إلى الأردن. فالأردن دخل العقد الأخير وهو يمتلك أساساً صناعياً قائماً، واتفاقيات تجارية مؤثرة، ومناطق صناعية مهيأة، ومؤسسات أكثر استقراراً في إدارة ملف الاستثمار والتصدير. لكن الحرب السورية فتحت نافذة إضافية: انتقال خبرات ورؤوس أموال وعمالة وعلاقات تجارية، في وقت كان الأردن قادراً على استقبال جزء منها ضمن بيئة قانونية وتشغيلية أكثر وضوحاً واستقراراً. وفي عام 2025 وصلت الصادرات الصناعية الأردنية إلى 8.89 مليار دينار، مرتفعة من 8.07 مليارات في 2024، بينما اتسعت الأسواق التي تصلها المنتجات الأردنية إلى نحو 150 سوقاً حول العالم، في مؤشر واضح على تطور القدرة التصديرية للقطاع الصناعي الأردني.الدراسة لا تنطلق من فرضية أن الأردن "سرق" الصناعة السورية، ولا من فرضية معاكسة تنكر استفادته من التحولات الإقليمية. بل تنطلق من قراءة أكثر توازناً: الأردن كان لديه أساس، والحرب السورية أضافت له فرصة، والسياسات العامة ساعدته على تحويل جزء من هذه الفرصة إلى نتائج. أما سوريا، فرغم ما خسرته من منشآت وأسواق وطاقة وتمويل، ما تزال تمتلك رصيداً صناعياً وتجارياً وخبرات بشرية واسعة داخل البلاد وخارجها، وإذا توافرت لها بيئة قانونية وتشغيلية ملائمة، فإن قدرتها على بناء نهضة صناعية جديدة قد تكون أكبر من مجرد استعادة ما كان قائماً قبل 2011.1) الأردن قبل الحرب السورية: القاعدة كانت موجودة أصلاًمن المهم تصحيح نقطة شائعة في السرد العام: الأردن لم يبدأ بناء صناعته بعد عام 2011، بل دخل الأزمة السورية وهو يمتلك بنية صناعية تصديرية تراكمت على مدى سنوات، خاصة في قطاعات مثل الألبسة، والصناعات الكيميائية، والأسمدة، والأدوية، وبعض الصناعات الغذائية والهندسية. كما استفاد الأردن قبل ذلك من برنامج المناطق الصناعية المؤهلة QIZ الذي أنشئ عام 1996، ثم من اتفاقية التجارة الحرة الأردنية-الأميركية التي دخلت حيز التنفيذ في 17 كانون الأول 2001، واستكمل إلغاء الرسوم الجمركية فيها بحلول 2010، ما وفر للمنتج الأردني منفذاً مهماً إلى السوق الأميركية، ولا سيما في قطاع الألبسة والمنسوجات.هذا يعني أن القفزة الأردنية اللاحقة لم تكن قفزة من الصفر، بل بناءً على قاعدة قائمة. وهذه نقطة جوهرية عند مقارنة الأردن بسوريا: فالدول لا تصنع قاعدة تصديرية في أشهر، بل عبر تراكم في التشريعات، والبنية التحتية، والعلاقات التجارية، والمواصفات، واللوجستيات، وثقة المستثمرين.2) ما الذي غيرته الحرب السورية؟الحرب السورية خلقت سلسلة تحولات إقليمية متداخلة: إغلاق أو تعثر منشآت صناعية سورية، نزوح رجال أعمال وعمال مهرة، تغير مسارات التجارة، اضطراب سلاسل التوريد، وظهور حاجة لدى الصناعيين السوريين إلى بيئات تشغيل بديلة أو رديفة. في المقابل، واجه الأردن أيضاً أعباء كبيرة مرتبطة باللجوء والضغط على الخدمات والبنية التحتية وسوق العمل. لكن مع مرور الوقت، تحول جزء من هذه الأزمة إلى فرصة اقتصادية جزئية، لأن الأردن كان من البلدان القادرة على استقبال جزء من النشاط الاقتصادي السوري ضمن إطار مؤسسي أفضل نسبياً.وقد ظهرت استثمارات سورية صناعية فعلية في الأردن منذ السنوات الأولى للأزمة. كما تشير تقارير رسمية وإعلامية أردنية إلى تسجيل شركات سورية واستثمارات في المدن الصناعية، لكن الأهم من عدد الشركات المسجلة هو أن الأردن نجح في استيعاب جزء من الخبرة الصناعية السورية ضمن منظومة تشغيل قائمة، وليس فقط ضمن موجة تسجيل قانوني للشركات. وهنا تكمن الفائدة الحقيقية: الخبرة الإدارية، شبكات العملاء، المعرفة الفنية، المرونة التشغيلية، والقدرة على إعادة تنظيم النشاط بسرعة.3) هل صنع السوريون النهضة الصناعية الأردنية؟الجواب الدقيق: ساهموا، نعم. لكنهم لم يكونوا العامل الوحيد.التحول الأردني خلال العقد الأخير نتج عن التقاء عدة عناصر:قاعدة صناعية سابقةاتفاقيات تجارية نافذةمناطق صناعية وخدمات لوجستيةمؤسسات أكثر استقراراًبرامج دعم وتحديثوبيئة أكثر قابلية لاستقبال الاستثمار مقارنة بسياق الحرب السوريةفي هذا الإطار، شكّل انتقال الصناعيين السوريين عامل تعزيز لا عامل تأسيس. فلو لم تكن البيئة الأردنية جاهزة نسبياً، لما أمكن تحويل انتقال الأفراد والخبرات إلى توسع في الإنتاج والتصدير. والعكس صحيح أيضاً: لو لم تكن سوريا تمتلك قبل الحرب طبقة صناعية وتجارية نشطة وخبرات تراكمية، لما وجد الأردن هذا النوع من القيمة المضافة القادمة من الجوار.4) ماذا فعل الأردن تشريعياً ومؤسسياً؟جزء مهم من النجاح الأردني كان في الاستمرارية المؤسسية. فقد واصل الأردن خلال العقد الأخير تطوير أطره الاستثمارية، وصولاً إلى قانون البيئة الاستثمارية لعام 2022، واستمر في تحسين خدمات المستثمر، وتبسيط الإجراءات نسبياً، وتعزيز دور المؤسسات الداعمة للاستثمار والتصدير. كما اعتمد سياسة منح الجنسية أو الإقامة عبر الاستثمار ضمن شروط محددة، ما جعل الإقامة الطويلة والاندماج الاقتصادي أكثر جاذبية لبعض المستثمرين، لكنه لم يكن وحده سبباً كافياً لنجاح الصناعة.في التجربة الأردنية، لم تكن الجاذبية الاستثمارية مرتبطة بحافز واحد، بل بحزمة كاملة تشمل:وضوحاً أكبر في تسجيل الأعمال والتراخيصقدرة أفضل على تشغيل المشاريع ضمن مناطق صناعيةمنفذاً بحرياً أساسياً عبر العقبةوصولاً إلى أسواق إقليمية ودوليةوحضوراً مؤسسياً لغرف الصناعة والجهات الداعمة للتصديرولهذا فإن البيئة الجاذبة ليست مجرد "قانون استثمار جيد"، بل نظام تشغيلي متكامل.5) النتائج بالأرقام: ما حجم التحول فعلياً؟في عام 2025 بلغت الصادرات الصناعية الأردنية 8.89 مليار دينار أردني، مقارنة بـ 8.07 مليارات في 2024، وبنحو 4.6 مليارات فقط في 2019، ما يعني أن الصادرات الصناعية الأردنية اقتربت من التضاعف خلال ست سنوات. كما تشير بيانات غرفة صناعة الأردن إلى أن المنتجات الصناعية الأردنية باتت تصل إلى 150 سوقاً تقريباً، وهو ما يعكس توسعاً حقيقياً في القاعدة التصديرية وليس مجرد نمو في سوق أو سوقين فقط.كذلك، تشير بيانات رسمية أردنية إلى أن القطاع الصناعي يضم أكثر من 18 ألف منشأة عاملة، ويشغّل نحو 271 ألف عامل بشكل مباشر، ويُنتج ما يقارب 2500 منتج، مع قدرة إنتاجية سنوية تقدر بنحو 18 مليار دينار. كما يقدّر رئيس غرفة صناعة الأردن مساهمة الصناعة المباشرة بنحو 24% من الناتج المحلي الإجمالي، وترتفع أكثر عند احتساب الأثر المباشر وغير المباشر. وهذه الأرقام صادرة عن غرفة الصناعة، ويجب فهمها ضمن منهجيتها القطاعية، لكنها تظل دلالة قوية على حجم القطاع ووزنه في الاقتصاد الأردني.
أما على مستوى القطاعات، فتبرز خمسة محركات رئيسية للصادرات الصناعية الأردنية:الصناعات الكيميائية ومستحضرات التجميل: 2.069 مليار دينار صادرات في 2025الصناعات الجلدية والمحيكات: 1.774 مليار دينارالصناعات الهندسية والكهربائية وتكنولوجيا المعلومات: 1.721 مليار دينارالصناعات الغذائية والتموينية والزراعية والثروة الحيوانية: 926 مليون دينارالصناعات الدوائية: 642 مليون ديناروهذه الأرقام مهمة لأنها تكشف أن قوة الصناعة الأردنية ليست محصورة في قطاع واحد؛ بل في تنوع نسبي بين قطاعات مختلفة، وهو ما يزيد من مناعتها أمام التقلبات.
6) مؤشر مهم جداً لسوريا: نمو الصادرات الأردنية إليهامن أهم المؤشرات التي تستحق الوقوف عندها في سياق هذه الدراسة أن الصادرات الصناعية الأردنية إلى سوريا ارتفعت من 55 مليون دينار في 2024 إلى 252 مليون دينار في 2025، بزيادة تبلغ نحو 355%. وهذه ليست مجرد ملاحظة جانبية، بل مؤشر على أن السوق السورية نفسها أصبحت جزءاً من مسار التوسع الصناعي الأردني خلال المرحلة الأخيرة.











