مدار الساعة - محمد الطراونة -لا تنتهي رحلة سرطان الثدي بالضرورة مع آخر جلسة علاج أو مغادرة المستشفى. فبالنسبة إلى كثير من الناجيات، تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية، يحاولن خلالها استعادة حياتهن اليومية، والتكيف مع التغيرات التي طرأت على أجسادهن، والتعامل مع الخوف من عودة المرض.
وفي الأردن، حيث يعد سرطان الثدي السرطان الأكثر شيوعا بين النساء، تقدر حالات الإصابة بين الأردنيات بنحو 550 حالة سنويا، وفق معلومات قدمها مركز الحسين للسرطان للجزيرة نت، لكن خلف الأرقام تجارب شخصية لنساء وجدن أنفسهن بعد العلاج أمام سؤال جديد: كيف تبدأ الحياة من جديد؟ومن خلال شهادات خاصة للجزيرة نت، تروي 3 أردنيات كيف تغيرت حياتهن بعد العلاج، وما واجهنه من مخاوف وتحديات، وكيف حاولت كل منهن استعادة تفاصيل حياتها بطريقتها الخاصة.حياة تغيرت 180 درجةلم تكن تجربة الإصابة بسرطان الثدي بالنسبة إلى الأردنية رشا صوالحة مجرد فترة علاج انتهت بالتعافي، بل نقطة تحول دفعتها إلى إعادة النظر في أولويات حياتها.ففي عام 2023، شُخصت صوالحة بسرطان الثدي في مرحلته الثالثة، بعدما وصل المرض إلى العقد اللمفاوية، وخضعت للعلاج الكيميائي والمناعي والإشعاعي، إلى جانب عمليات جراحية شملت استئصال الثدي المصاب، واستئصال الثدي الآخر بصورة وقائية، فضلا عن المبيضين لأسباب مرتبطة باستعداد وراثي يزيد خطر الإصابة.ورغم صعوبة العلاج وآثاره، حرصت صوالحة على الاستمرار في وظيفتها، وكانت ترتب مواعيد الجرعات العلاجية بما يسمح لها بالحصول على أيام قليلة للراحة قبل العودة إلى العمل.وتقول للجزيرة نت إن الاستمرار في العمل ساعدها نفسيا على تجاوز فترة العلاج، ومنحها شعورا بأنها ما زالت قادرة على ممارسة حياتها رغم المرض.لكن بعد نحو عام من انتهاء العلاج، غادرت وظيفتها نتيجة إعادة هيكلة المؤسسة التي كانت تعمل بها، وهو تغير تقول إنه أتاح لها فرصة للتفرغ بصورة أكبر لصحتها والتعافي من الضغوط التي عاشتها.وتضيف "أعطيت وقتا أكبر لصحتي، وصرت أذهب إلى النادي وأسبح وأمارس الرياضة وأمشي وألتقي صديقاتي أكثر".وتصف صوالحة التجربة بأنها غيرت حياتها "180 درجة"، بعدما أصبحت أكثر اهتماما بصحتها وعلاقاتها الاجتماعية وحياتها الروحية، وأعادت ترتيب أولوياتها بما يمنحها مساحة أكبر لنفسها.خوف يرافق الناجياتلكن انتهاء العلاج لا يعني دائما انتهاء القلق، إذ يظل احتمال عودة السرطان أحد أبرز المخاوف التي تواجه بعض الناجيات، خصوصا عند اقتراب مواعيد الفحوص الطبية وانتظار نتائجها.وتقول صوالحة إن هذا الخوف يمر به كثير ممن خاضوا تجربة المرض، لكنها تحاول ألا تسمح له بالسيطرة على حياتها، مع الالتزام بالمتابعة الطبية والانتباه لأي تغيرات صحية غير معتادة.وتعرف الأردنية رولاند البواب هذه المشاعر جيدا، بعدما مرت بتجربة الإصابة بسرطان الثدي مرتين، يفصل بينهما نحو 5 سنوات.كانت رولاند في الـ34 من عمرها عندما شُخصت إصابتها الأولى قبل نحو 18 عاما، وكانت حينها أما لأربعة أطفال، أكبرهم في الثانية عشرة وأصغرهم في الثالثة والنصف.وصل المرض إلى المرحلة الثالثة، وخضعت لعملية جراحية تلتها جلسات من العلاج الكيميائي والإشعاعي، إلى جانب العلاج الهرموني.وبعد 5 سنوات، كشفت المتابعة الدورية عن إصابة ثانية في مرحلة مبكرة، استدعت تدخلا جراحيا وعلاجا إشعاعيا وهرمونيا، دون الحاجة هذه المرة إلى العلاج الكيميائي.ورغم مرور سنوات طويلة على التجربتين، تقول رولاند للجزيرة نت إن الخوف من عودة السرطان لا يختفي تماما، وقد يتجدد عند إجراء الفحوص وانتظار نتائجها.وتضيف "بالآخر إحنا بشر"، موضحة أنها تحاول التعامل مع هذه المشاعر من خلال الالتزام بالمتابعة الطبية، بدلا من ترك القلق يؤثر في تفاصيل حياتها اليومية.التصالح مع جسد مختلفلا تقتصر آثار سرطان الثدي على الخوف من عودته، فقد تترك الجراحة والعلاجات تغيرات جسدية تؤثر في نظرة المرأة إلى نفسها، خصوصا إذا خضعت لاستئصال الثدي.وترى رولاند أن تقبل هذه التغيرات ليس سهلا على جميع النساء، في ظل ارتباط الثدي بصورة الأنوثة لدى كثيرات، واختلاف القدرة على التكيف مع فقدانه أو تغير شكله.وتوضح أن بعض الناجيات يخترن إجراء عمليات لترميم الثدي، بينما تفضل أخريات التكيف مع التغيرات الجسدية دون الخضوع لتدخلات إضافية، مؤكدة أن لكل امرأة تجربتها الخاصة في التعامل مع جسدها بعد المرض.وتبرز هنا أهمية خدمات الدعم والتأهيل التي تساعد المريضات على تجاوز الآثار الجسدية والنفسية للعلاج.ويوفر مركز الحسين للسرطان، بحسب المعلومات التي قدمها للجزيرة نت، حمّالات صدر خاصة للنساء اللواتي خضعن للجراحة، وخيارات للشعر المستعار، إلى جانب خدمات الدعم النفسي والاجتماعي والعلاج الطبيعي والتغذية.كما تضم عيادة سرطان الثدي التثقيفية منسقي تمريض سريري ومتخصصين وناجيات يشاركن المريضات تجاربهن، ويساعدنهن على فهم رحلة العلاج والتعامل مع آثارها.من تلقي الدعم إلى تقديمهبالنسبة إلى رولاند البواب، لم تتوقف تجربتها عند استعادة حياتها الشخصية، بل امتدت إلى مساعدة نساء أخريات يخضن رحلة العلاج نفسها.فقد انضمت إلى مجموعة "سند" المعنية بالدعم الاجتماعي والنفسي لمرضى سرطان الثدي، وأصبحت تشارك مع ناجيات أخريات في زيارة المريضات اللواتي يتلقين العلاج الكيميائي، لتقديم الدعم المعنوي ومشاركة التجارب الشخصية.وتقول إن الرسالة التي تحرص على إيصالها إليهن بسيطة: "أنتم مش لحالكم، وإحنا مرينا بهاي التجربة".وتجد رولاند في حياتها الحالية امتدادا لهذه الرسالة؛ فالأطفال الذين كانت تخشى عليهم عند إصابتها الأولى كبروا، وتخرجوا من المدارس والجامعات، والتحقوا بالعمل، واحتفلت قبل أسابيع بزواج أحد أبنائها.أما رشا صوالحة، فاختارت مشاركة تجربتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأنشأت صفحات باسم "رشا صوالحة – تشافي"، تتناول فيها تجربتها مع المرض وأهمية الكشف المبكر والاهتمام بالنفس والصحة.وتعكس تجربتا المرأتين كيف يمكن لبعض الناجيات تحويل ما مررن به إلى مصدر للدعم والتوعية، وإن اختلفت الطرق التي تتعامل بها كل امرأة مع آثار المرض.حين تتحول حماية الأسرة إلى عبءبينما تواجه بعض الناجيات صعوبة في التكيف مع التغيرات الجسدية أو الخوف من عودة المرض، تجد أخريات أن استعادة حياتهن الطبيعية تتطلب أيضا تغيير نظرة المحيطين بهن.وهذا ما واجهته الأردنية ميسون طه بعد انتهاء علاجها من سرطان الثدي، إذ استمرت أسرتها في التعامل معها باعتبارها مريضة تحتاج إلى الحماية والرعاية المستمرة.وتقول ميسون للجزيرة نت إن خوف أفراد أسرتها عليها دفعهم أحيانا إلى منعها من القيام بأعمال كانت معتادة عليها، ومراقبة حركتها ومدى شعورها بالتعب.ورغم إدراكها أن هذا السلوك نابع من محبتهم وقلقهم على صحتها، فإنها شعرت بالحاجة إلى استعادة استقلاليتها وقدرتها على اتخاذ قراراتها وممارسة حياتها دون قيود مبالغ فيها.وبمرور الوقت، بدأت تستعيد أدوارها داخل المنزل، وتشارك في المناسبات العائلية والأنشطة التي ابتعدت عنها خلال العلاج.وتوضح أن اللحظة التي شعرت فيها بعودتها الحقيقية إلى الحياة لم تكن عند انتهاء جلسات العلاج، وإنما عندما توقف أفراد أسرتها عن سؤالها باستمرار عما إذا كانت متعبة، وعادوا إلى التعامل معها بصورة طبيعية.وبالنسبة إليها، لم يكن المطلوب أن تتوقف الأسرة عن الاهتمام بصحتها، بل أن تمنحها المساحة التي تحتاج إليها لاستعادة حياتها وثقتها بقدراتها.رولاند البواب ناجية من سرطان الثدي مرتين (الجزيرة)رولاند البواب ناجية من سرطان الثدي مرتين (الجزيرة)متابعة لا تنتهي بالعلاجإلى جانب التحديات النفسية والاجتماعية، تظل المتابعة الطبية جزءا أساسيا من حياة الناجيات بعد انتهاء العلاج.ويؤكد مركز الحسين للسرطان أهمية الالتزام بمواعيد المتابعة، وإبلاغ الطبيب بأي تغيرات جديدة في منطقة الثدي أو الصدر أو الإبط، أو ظهور أعراض غير معتادة ومستمرة.وتختلف مواعيد الزيارات والفحوص بحسب نوع السرطان ومرحلته والعلاج الذي تلقته المريضة، وقد تكون المراجعات متقاربة في السنوات الأولى، ثم تتباعد تدريجيا وفقا لتقييم الطبيب.وتوضح الجمعية الأمريكية للسرطان أن المتابعة بعد العلاج لا تهدف فقط إلى اكتشاف أي عودة محتملة للمرض، بل تشمل أيضا التعامل مع الآثار الجانبية الطويلة الأمد، ومتابعة الصحة الجسدية والنفسية.ولا تحتاج جميع الناجيات إلى الفحوص التصويرية والتحاليل الموسعة بصورة دورية، إذ تُحدد الفحوص المناسبة بحسب الحالة والأعراض والتاريخ العلاجي، مع إجراء تصوير الثدي الشعاعي عندما يكون مطلوبا.وتروي رولاند البواب أنها كانت تراجع طبيبها كل 3 أشهر بعد انتهاء العلاج، ثم أصبحت الزيارات كل 6 أشهر، في إطار المتابعة المستمرة لحالتها الصحية.حياة جديدة بأولويات مختلفةتختلف رحلة التعافي من امرأة إلى أخرى، فقد تجد إحداهن صعوبة في التكيف مع تغيرات جسدها، بينما تنشغل أخرى بالخوف من عودة السرطان، أو بمحاولة استعادة عملها وحياتها الأسرية والاجتماعية.إعلانولا يعني انتهاء العلاج أن جميع هذه التحديات تختفي، كما لا يعني استمرار بعض المخاوف أن المرأة عاجزة عن استعادة حياتها.فبالنسبة إلى رشا صوالحة، كانت التجربة دافعا للاهتمام بصحتها وإعادة ترتيب أولوياتها، بينما وجدت رولاند البواب في دعم المريضات الأخريات امتدادا لتجربتها، وركزت ميسون طه على استعادة استقلاليتها داخل الأسرة.وتكشف هذه الشهادات أن التعافي من سرطان الثدي لا يقتصر على تجاوز المرض طبيا، بل يشمل أيضا استعادة الثقة بالنفس والتكيف مع التغيرات الجسدية والنفسية، والحصول على الدعم الذي تحتاج إليه كل ناجية لتواصل حياتها بالطريقة التي تختارها.











