أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأردن.. بيضة القبان في إقليم يشتعل

مدار الساعة,مقالات,الملك عبد الله الثاني,الضفة الغربية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب: رفاد العياصرة - في الجغرافيا السياسية، هناك دول تعيش داخل التاريخ، ودول تعيش على حافة التاريخ. والأردن وحده يعيش في قلب التاريخ، لكنه يرفض أن يحترق بناره.

انظر إلى الخريطة.. سترى المعجزة الأردنية بوضوح.

من الشرق: العراق.. بلد ينهض من تحت الرماد، ما زال يبحث عن استقراره بعد عقود من الحروب والطائفية والتدخلات.

من الشمال: سوريا.. جرح مفتوح منذ 15 عاماً، دولة ممزقة بين جيوش وقواعد وميليشيات وعقوبات، وممر للمخدرات والسلاح.

من الغرب: الضفة الغربية والمناطق المحتلة.. بركان يغلي كل يوم، حرب إبادة في غزة، واقتحامات في جنين ونابلس، ومخططات تهجير علنية.

من الجنوب: حرب البحر الأحمر وتهديد الملاحة.

في وسط كل هذا اللهب.. يقف بلد صغير بلا نفط وبلا غاز، بموارد محدودة، لكنه ثابت كالصخرة. اسمه الأردن.

هذا ليس صدفة. هذه سياسة.

1. عقيدة التوازن.. لا الانحياز الأعمى

الأردن لم يلعب يوماً لعبة المحاور الغبية.

الدول حولنا اختارت محوراً واحترقت معه. من انحاز لإيران خسر العرب، ومن انحاز لأمريكا بالكامل خسر شعبه، ومن انحاز لروسيا خسر اقتصاده.

الأردن اختار محوراً واحداً فقط: المصلحة الوطنية الأردنية.

مع العراق: الأردن هو رئة العراق الاقتصادية. أنبوب النفط، الشاحنات، المصانع، العمالة. عمان لم تقطع مع بغداد يوماً، لا في زمن صدام ولا بعده. تحافظ على علاقة الدولة مع الدولة، بعيداً عن الطائفية.

مع سوريا: الأردن لم يقطع الحبل. صحيح أنه استقبل مليون ونصف لاجئ سوري، ودفع من قوت شعبه، وتحمل أمنياً واقتصادياً ما لا تتحمله دول كبرى، لكنه بقي يتحدث بلغة الدولة.. يطالب بالحل السياسي، يحارب الكبتاغون على الحدود بيد من حديد، ويفتح باب الدبلوماسية بيد أخرى. لا يشتم ولا يزاود.

مع المناطق المحتلة وفلسطين: هنا بيت القصيد. الأردن هو الدولة الوحيدة في العالم التي لديها شرعية دينية وتاريخية وسياسية في القدس. الوصاية الهاشمية ليست شعاراً، هي وثائق ووقائع ورواتب ، وترميم. الأردن يقول للعالم كل يوم: التهجير خط أحمر، القدس خط أحمر، والوطن البديل وهم لن يمر. ويقولها في واشنطن وتل أبيب وعواصم أوروبا بنفس اللغة.

الدبلوماسية الأردنية لا تصرخ. وهذا سر قوتها.

الملك عبد الله الثاني يجيد لعبة لا يجيدها أحد في المنطقة: أن يكون مقبولاً من الجميع

هو مقبول في البيت الأبيض والكونغرس، ومقبول في موسكو، ومقبول في بكين، ومقبول عند العشائر في الأنبار، وعند القيادة في دمشق، وعند السلطة والفصائل في فلسطين، وعند الخليج.

لماذا؟ لأنه لا يبيع مواقف. يتحدث بلغة واحدة: استقرار الأردن هو استقرار المنطقة، وخراب الأردن هو خراب المنطقة كلها.

ما معنى بيضة القبان؟ في الميزان القديم، هي القطعة الصغيرة التي تتحكم بثقل الميزان كله. إذا تحركت اختل الميزان.

الأردن هو هذه البيضة.

- لولا الجيش الأردني والمخابرات الأردنية، لكانت المخدرات السورية تغرق الخليج كله.

- لولا الأردن، لكان ملف التهجير من الضفة قد تم في 2023.

- لولا الأردن، لكانت الفوضى العراقية انتقلت إلى الخليج.

- لولا الأردن، لكان الإقليم بلا غرفة عمليات هادئة يتفق فيها الجميع.

الأردن لا يملك نفطاً.. لكنه يملك ما هو أغلى من النفط: الشرعية والثقة والجيش المحترف والعقل البارد.

في إقليم يدار بالصراخ والشعارات والطائفية، الأردن يدار بالحكمة. في إقليم يحرق أوراقه كل يوم، الأردن يحافظ على كل أوراقه في جيبه.

لهذا.. كلما اشتعلت المنطقة، ازدادت حاجة العالم للأردن. وكلما صرخت العواصم، اتجهت الأنظار إلى عمان الهادئة.

هذه هي عبقرية الدولة الأردنية: دولة صغيرة الجغرافيا، كبيرة الوظيفة. دولة فقيرة الموارد، غنية بالقرار.

حفظ الله الأردن.. بيضة القبان التي لم تنكسر رغم أن كل الموازين حولها تحطمت.


مدار الساعة ـ