أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

إنصاف الصحف.. انتصار الحكومة لمهنة تستحق الحياة


مكرم الطراونة

إنصاف الصحف.. انتصار الحكومة لمهنة تستحق الحياة

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

يأتي إقرار الحكومة أسس توزيع الإعلانات على الصحف اليومية، ليؤكد من جديد على العلاقة التي تربط بين المؤسسات الرسمية والصحافة، باعتبار أنهما ذراعان تعملان على قاعدة المصلحة الوطنية.

القرار الذي انتظرته الصحف، وضع أسسًا عادلة وشفافة لتوزيع الإعلانات، وهو بكل تأكيد يصبّ في مصلحة الصحف، خصوصا في ظل الأزمات الاقتصادية التي تواجه المؤسسات الصحفية. غير أنه من الإنصاف القول إن الحكومة بقرارها هذا استجابت لقضية مهنية ووطنية، وسجّلت وقوفها إلى جانب الصحف لتقوية بقائها، وهي خطوة تستحق التقدير.

أهمية القرار تكمن في المبدأ الذي يؤسسه، وهو أن المال العام يجب أن يدار بمعايير عادلة ومعلنة، وألا تتحول الإعلانات الحكومية إلى امتياز لبعض المؤسسات، أو إلى مصدر تمييز بين الصحف. العدالة تعني تكافؤ الفرص، ووضوح المعايير، وخضوع الجميع لقواعد واحدة، بعيدا عن الاعتبارات الشخصية أو العلاقات أو التقديرات غير المنضبطة.

لقد راعى القرار تنوع الصحف الأردنية على اختلاف أحجامها وإمكاناتها وانتشارها، واعتبر أنها تؤدي أدوارا مهمة، فجاءت الأسس لتوازن بين المعايير المهنية والاقتصادية، وتحفظ حق كل مؤسسة في المنافسة العادلة، وتمنع احتكار الفرص أو تركزها على نحو يضعف التعددية الصحفية.

إنّ الحكومة، حين تنصف الصحف، فإنها تعترف بحقيقة أساسية، وهي أنّ المؤسسات الصحفية ليست مجرد شركات تبحث عن إيرادات، وإنما هي خزانات واسعة للخبرة المهنية، ومراكز لإنتاج المعرفة والمعلومات والتحليل، ومدارس تخرجت فيها أجيال من الصحفيين، وما تزال تحتضن مئات العاملين في مختلف التخصصات الصحفية والفنية والإدارية.

هذه المؤسسات، ورغم ما أصابها من أزمات، ما تزال تحتفظ بجزء كبير من الذاكرة المهنية للصحافة الأردنية، وبالخبرات المتراكمة في التحرير والتحقيق والتوثيق، وما تزال نماذجها الصحفية تخضع لمنظومة من المسؤوليات والمعايير وآليات المراجعة والمساءلة، وهي منظومة تزداد أهميتها في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا ضوابط، وتتنافس فيه الأخبار الصحيحة مع الإشاعات والمحتويات المضللة.

من هذا الجانب، فإنّ دعم استدامة الصحف ينبغي النظر إليه بوصفه مساعدة لمؤسسات وطنية وازنة، وأيضا هو استثمار في حماية البنية المهنية للإعلام الوطني. حين تضعف الصحف، فسوف تتعدى الخسارة هذه المؤسسات نفسها لتمتد إلى الصحفيين ووظائفهم والمهنة ككل، فيخسر المجتمع مؤسسات قادرة على إنتاج الصحافة الجادة وممارسة الرقابة وتقديم المعلومات الموثوقة. إن الدولة تدرك هذه الحقيقة، وتترجم إدراكها إلى سياسات منصفة، فتؤدي مسؤوليتها في حماية بيئة إعلامية متوازنة.

ولا يمكن الحديث عن القرار بدون التوقف عند دور نقابة الصحفيين الأردنيين، التي ظلت قضية الإعلانات الحكومية واحدة من الملفات التي عملت عليها، ضمن جهودها لتحسين الظروف الاقتصادية للمؤسسات الصحفية وحماية العاملين فيها. القرار يمثل ثمرة مهمّة لمسار من المطالبات والحوارات والمتابعات النقابية، ويؤكد أنّ العمل النقابي الجاد يستطيع، حين يمتلك وضوح المطالب ويثابر في متابعتها، أن ينقل القضايا إلى دائرة القرار.

هذا إنجاز ينبغي أن يحسب للنقابة، مثلما يحسب للحكومة تجاوبها معه، ليمثل نجاحا لفكرة الشراكة المؤسسية بين الحكومة والجسم الصحفي حين تقوم على الحوار والاحترام المتبادل والاعتراف بالمصالح المشروعة.

القرار يعيد الاعتبار لفكرة التعددية الصحفية التي لا تتحقق بمجرد وجود أسماء عديدة للصحف، وإنما تحتاج إلى بيئة تسمح لهذه المؤسسات بالبقاء والمنافسة والإنتاج. وحين تنصف الدولة صحافتها، فإنها تنصف قطاعا مهنيا مهما، كما تنصف حق المجتمع في أن تبقى له صحافة قادرة على العمل والمساءلة والنقد.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ