أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من الطائر الكبير إلى طقس الجنوب لماذا يعطش الأردنيون؟


المحامي هيثم عريفج

من الطائر الكبير إلى طقس الجنوب لماذا يعطش الأردنيون؟

مدار الساعة ـ

أعلنت وزارة المياه والري وسلطة المياه أن حالة عدم الاستقرار الجوي في جنوب المملكة وشرقها تسببت بأعطال فنية أوقفت ضخ مياه الديسي، وأخرت أدوار توزيع المياه في مناطق من العاصمة عمّان. لكن السؤال الذي يستحق جواباً صريحاً هو: لماذا يعطش أبناء الأردن والمياه موجودة في مصادرها، بينما تعجز المنظومة عن إيصالها إلى بيوتهم في موعدها؟

نحن لا نتحدث عن صهاريج مياه تسير على طرق الجنوب فتمنعها الأمطار أو تنزلق بفعل السيول. نحن نتحدث عن مشروع استراتيجي يقوم على آبار ومحطات ضخ وخطوط أنابيب وأنظمة كهرباء وتحكم، أُنشئ ليضمن وصول المياه إلى العاصمة. وإذا كانت الأحوال الجوية قد أصابت جزءاً من هذه المنظومة، فمن واجب الجهات المعنية أن تخبرنا: ما الذي تعطل تحديداً؟ وما السبب الفني المباشر؟ ولماذا لم تحدّ خطط الطوارئ من أثر التوقف؟

لا أحد ينكر أن الطقس قد يتسبب بأعطال، ولا أحد يطالب بمرافق لا تتعطل أبداً. لكن التخطيط لا يُختبر عندما تكون السماء صافية؛ بل عند أول عاصفة وأول خلل. والمشكلة ليست فقط في تعطل المضخة أو انقطاع التغذية الكهربائية، وإنما في مدى قدرة الإدارة على توقع المخاطر وتوفير البدائل والتعامل مع الأزمة قبل أن تصل نتائجها إلى خزانات الناس الفارغة.

وما أشبه اليوم بالأمس! ففي عام 2021، عندما انقطعت الكهرباء عن الأردن لساعات، طرحت فرضية أن طائراً كبيراً ربما تسبب بالانقطاع، قبل أن تتحدث نتائج التحقيق الفني عن اضطراب على خط الربط الكهربائي الأردني المصري. واليوم يعود الطقس إلى واجهة التبريرات، بينما يبقى السؤال الأهم غائباً: أين الجاهزية؟ وأين التفسير الفني الكامل الذي يحترم عقل المواطن؟

لسنا أمام خلاف على نشرة الأحوال الجوية. نحن أمام اختبار لكفاءة إدارة الموارد والبنية التحتية التي أنفقت عليها الدولة أموالاً كبيرة. فوجود المياه في المصدر لا يكفي إن كانت لا تصل إلى المواطن، كما أن امتلاك محطات وأنابيب لا يساوي شيئاً إذا غابت خطط التشغيل البديلة عند الطوارئ. ومن غير المقبول أن يتحول كل خلل إلى ظرف استثنائي يُطلب من الناس تحمله دون كشف الأسباب والإجراءات والمسؤوليات.

ولا يجوز أن تتحول ندرة المياه في الأردن إلى ذريعة تبرر تعطل نقل ما هو متاح منها؛ فالندرة تفرض علينا حماية كل سمتر مكعب، لا التساهل في انقطاع وصوله. وكل ساعة تأخير تعني أسرة بلا ماء، ومريضاً ينتظر، ومواطناً يضطر لشراء بديل على نفقته. هنا تبدأ مسؤولية الإدارة، وهنا يجب أن يبدأ السؤال عن كفاءة الإنفاق والاستعداد.

وعندما تثبت المراجعة الفنية غياب الاستعداد الكافي، أو ضعف الصيانة، أو سوء إدارة الموارد، فإن الأمر لا يجوز أن ينتهي ببيان اعتذار. عندها نكون أمام فشل إداري يجب أن تُحدد مسؤوليته وأن تقع المحاسبة عليه وفق القانون. لا نتهم أشخاصاً، ولا نصدر أحكاماً مسبقة؛ إنما نرفض أن تصبح كلمة ( الظروف ) بديلاً دائماً عن المساءلة.

المطلوب اليوم أن نحترم عقل المواطن ونصدقه القول ؛ تقرير واضح يحدد طبيعة العطل، ومدته، وأثره، وسبل تعويض أدوار التوزيع، وخطة تمنع تكراره. والمطلوب قبل ذلك وبعده أن يُقال للمواطن الحقيقة كاملة، لا نصف الحقيقة ولا أكثر العبارات راحة للمسؤول.

المواطن الأردني يستطيع أن يتفهم المشكلة ، لكنه لا يستطيع أن يثق بخطاب لا يشرح له ما حدث. احترموا عقله .

لا تطلبوا منه أن يكتفي بحكاية ( الطائر الكبير ) بالأمس و ( حالة عدم الإستقرار الجوي ) اليوم.

المياه حق، والشفافية واجب، والمحاسبة أساس الإدارة الرشيدة.

مدار الساعة ـ