أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

البقرة البريئة.. كذبة في القرن التاسع عشر عن تدمر مدينة كاملة تشعل أكبر خدعة في تاريخ أمريكا

مدار الساعة,أخبار ثقافية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -على مدى أكثر من 150 عاماً، ظلت كاثرين أوليري وبقرتها متهمتين بالتسبب في حريق شيكاغو الكبير عام 1871، رغم أن التحقيقات لم تثبت مسؤوليتهما، قبل أن يعترف أحد الصحفيين لاحقاً بأن قصة البقرة كانت مختلقة لتصبح البقرة وصاحبتها أشهر متهمين مظلومين في التاريخ الأمريكي.

أصبحت البقرة وصاحبتها رمزاً لكيف يمكن لرواية غير مثبتة أن تعيش أطول من الحقيقة، خصوصاً عندما تجد بيئة اجتماعية مستعدة لتصديقها، ووسائل إعلام تكررها، وحدثاً كارثياً يبحث الناس عن شخص يحمّلونه مسؤوليته.

شرارة الكذبة

في 8 أكتوبر 1871، اندلع حريق هائل في شيكاغو، واستمر حتى 10 أكتوبر، مدمراً مساحات واسعة من المدينة، أسفر الحريق عن مقتل نحو 300 شخص، وتدمير أكثر من 17 ألف مبنى، وتشريد ما يزيد على 100 ألف من السكان.

وبينما كانت النيران تلتهم المباني والشوارع، ظهرت رواية سرعان ما أصبحت أشهر من الحريق نفسه، ففي 9 أكتوبر، نشرت صحيفة «شيكاغو إيفنينغ جورنال» تقريراً نسب اندلاع النيران إلى بقرة ركلت مصباحاً داخل حظيرة كانت امرأة تحلب فيها الأبقار.

وكانت الحظيرة تعود إلى كاثرين أوليري وزوجها باتريك، وهما مهاجران أيرلنديان يعيشان في حي متواضع بالمدينة، وسرعان ما انتشرت القصة، وتحولت البقرة إلى المتهم الأول في كارثة لم تتمكن التحقيقات من تحديد سببها الدقيق وفق موقع هيستوري.

لكن المفاجأة جاءت بعد عقود، عندما اعترف الصحفي مايكل أهيرن، الذي كان يعمل في شيكاغو وقت الحريق، بأن قصة البقرة لم تكن مبنية على وقائع مؤكدة.

ففي عام 1921، أوضح أهيرن أنه واثنين من زملائه اختلقوا الرواية، لتصبح واحدة من أشهر الأمثلة على قدرة الأخبار الملفقة على ترسيخ رواية غير صحيحة في الذاكرة العامة.

لماذا صدق الناس القصة؟

لم تنتشر الأسطورة في فراغ، فقد كانت كاثرين أوليري مهاجرة أيرلندية فقيرة، تعيش في مجتمع شهد توترات وتحيزات ضد المهاجرين الكاثوليك، وهو ما جعلها هدفاً سهلاً للاتهامات.

ولم تقتصر التغطية الصحفية على ربطها بالحريق، بل قدمتها بعض الصحف في صورة سلبية، وروجت روايات عن حياتها وشخصيتها لم تثبت صحتها. وهكذا تحولت القصة من مجرد بحث عن سبب اندلاع النيران إلى اتهام اجتماعي لامرأة وجدت نفسها في قلب كارثة لا دليل على مسؤوليتها عنها.

كانت الرواية المفبركة بسيطة وسهلة التذكر، بقرة، ومصباح، وحظيرة، ومدينة تحترق، أما الأسباب المحتملة للحريق، المرتبطة بالطقس الجاف والرياح القوية وطبيعة المباني وضعف إجراءات الوقاية، فكانت أكثر تعقيداً وأقل ملاءمة لحكاية شعبية قصيرة.

ومع تكرار القصة في الصحف والكتب والأغاني والأعمال الفنية، ترسخت في الذاكرة العامة، حتى بعد ظهور معلومات تنقضها.

وهكذا بقيت الرواية حاضرة في الثقافة الشعبية، بينما تراجع الاهتمام بالتفاصيل الأكثر تعقيداً التي أحاطت بالكارثة.

مدينة الخشب

لم يكن حريق شيكاغو نتيجة حادثة منفردة فحسب، بل وقعت الكارثة في ظروف جعلت انتشار النيران سريعاً ومدمراً.

فقد شهدت المنطقة فترة طويلة من الجفاف، وكانت أجزاء واسعة من المدينة تضم مباني وأرصفة وأسواراً خشبية، كما واجهت فرق الإطفاء ضغوطاً كبيرة، بعد تعاملها مع حرائق أخرى سبقت الكارثة بأيام.

عندما اندلعت النيران في شيكاغو، ساعدت الرياح القوية على انتقالها بين المباني، بينما وفرت المواد القابلة للاشتعال وقوداً إضافياً، وبذلك اجتمعت الظروف المناخية مع طبيعة البناء ومشكلات الاستعداد لمواجهة الحرائق، لتتحول النيران إلى كارثة واسعة النطاق.

ولم تتمكن التحقيقات الرسمية من تحديد الشرارة الأولى بصورة قاطعة، وظهرت على مر السنين تفسيرات مختلفة لأسباب اندلاع الحريق، لكن أياً منها لم يحسم القضية نهائياً.

وتشير هذه الوقائع إلى أن البحث عن متهم واحد لم يكن كافياً لتفسير ما حدث، فالكارثة ارتبطت أيضاً بمدى استعداد المدينة لمواجهة الحرائق، وبقدرة مبانيها وخدماتها على احتواء خطر كان كبيراً في مدينة يغلب على أجزاء منها الخشب.

تبرئة بعد أكثر من قرن

لم تنتهِ القصة بانتهاء الحريق، فقد ظلت كاثرين أوليري تعاني آثار الاتهامات التي لاحقتها، رغم نفيها مسؤوليتها وعدم ثبوت تورطها في إشعال النيران.

وفي عام 1997، وبعد مرور 126 عاماً على الكارثة، أصدر مجلس مدينة شيكاغو قراراً بتبرئة كاثرين أوليري وبقرتها من المسؤولية عن الحريق، في خطوة أقرت بأنهما تعرضتا للوم غير المستحق.

لم يحدد القرار المتسبب الحقيقي في الكارثة، لكنه وضع حداً رسمياً لاتهام ظل متداولاً لأجيال، رغم غياب الأدلة التي تثبته.

وتقدم قصة حريق شيكاغو درساً يتجاوز القرن التاسع عشر، فقد تتحول الرواية البسيطة إلى حقيقة راسخة في أذهان الناس، حتى عندما لا تدعمها الأدلة، وقد يكون تصحيح الخطأ أصعب بكثير من نشره، خصوصاً عندما تتداخل الأخبار غير الدقيقة مع التحيزات الاجتماعية والرغبة في العثور على متهم واضح.

الشرارة التي أشعلت حريق شيكاغو الكبير، لا يزال مصدرها الدقيق مجهولاً، لكن المؤكد أن مسؤولية كاثرين أوليري وبقرتها لم تثبت، وأن الأسطورة التي لاحقتهما تكشف كيف يمكن لقصة صحفية واحدة أن تعيش طويلاً، حتى بعد ظهور اعترافات ومعلومات تشكك في صحتها.


مدار الساعة ـ