مدار الساعة -قبل الصحف والشاشات والمنصات الرقمية، كانت السلطة تحتاج إلى وسيلة تجعلها حاضرة أمام الناس، فلم يكن كافياً أن ينتصر الإمبراطور في الحرب أو يصدر القوانين، إنما كان عليه أن يمنح القوة وجهاً وجسداً، وأن يضع صورتها في المعابد والساحات حتى يراها السكان كل يوم، وفي مدينة سالونا القديمة، أدّى تمثال رخامي ضخم هذه المهمة قبل نحو ألفي عام.
لم يبقَ من التمثال اليوم سوى جذع إمبراطوري يرتدي درعاً عسكرياً مزخرفاً، غير أن غياب الرأس والأطراف لم ينتزع منه هيبته، إنما كشف شيئاً أعمق عن الطريقة التي صمّمت بها روما صورة الحكم: يمكن أن يتغير وجه الحاكم، بينما يبقى جسد السلطة ثابتاً.تؤرخ دار سوذبيز القطعة إلى النصف الأول من القرن الأول الميلادي، وتصنفها بوصفها جذعاً إمبراطورياً رومانياً من العصر اليوليو-كلودي، وربما كانت تمثل أحد أباطرة الأسرة الحاكمة، من دون أن تحسم هويته، ويبلغ ارتفاعها 110 سنتيمترات، فيما قدرت الدار قيمتها بما يتراوح بين 8 و12 مليون دولار، قبل عرضها في مزاد بمدينة نيويورك في 21 أكتوبر 2026. لكن أهمية القطعة لا تكمن في عمرها أو سعرها وحدهما، فهي تقدم مثالاً لافتاً على الطريقة التي استخدمت بها روما الفن أداة سياسية، وحوّلت جسد الإمبراطور إلى صورة عامة للقوة والانتصار والاستمرار.صورة حاضرةبحسب سجل المنشأ الذي نشرته دار سوذبيز، يُقال إن القطعة جاءت من سالونا في دالماتيا، ضمن أراضي كرواتيا الحالية، ويرجح أنها كانت مقامة في أحد المعبدين التوأمين عند الركن الشمالي الشرقي من ساحة المدينة. وفي حال صحة هذا المنشأ المرجح، لم يكن موقع التمثال تفصيلاً عرضياً، فوجود صورة إمبراطورية ضخمة في معبد يطل على ساحة المدينة كان يمنح السلطة الرومانية حضوراً يومياً، حتى عندما يكون الإمبراطور نفسه بعيداً بآلاف الكيلومترات.ولم يكن الناس بحاجة إلى السفر إلى العاصمة أو مشاهدة الحاكم شخصياً، فكان الرخام يقوم بالمهمة نيابة عنه، فيقدمه واقفاً بهيئة عسكرية مثالية، محاطاً برموز النصر والحماية والنظام.وتقرأ المادة التحريرية التي نشرتها سوذبيز هذه المنحوتة ضمن لغة بصرية أرادت تقديم السلطة الرومانية باعتبارها قوية، وتحظى بالمصادقة الإلهية، ومهيأة للبقاء. وهنا تتجاوز المنحوتة وظيفتها الجمالية، فكل مرور أمامها يعيد بث الرسالة ذاتها: الإمبراطورية حاضرة، وقوتها تمتد إلى هذه المدينة، والحاكم الغائب يظل مرئياً من خلال صورته.جسد السلطة يبقىربما يكون التفصيل الأكثر إثارة في التمثال هو ما فُقد منه، فقد صُنعت الرأس والأطراف بصورة منفصلة، فيما جُهز موضع الرقبة لتركيب رأس بورتريه مستقل، وكان هذا التصميم يتيح تحديث صورة الحاكم عند انتقال السلطة إلى إمبراطور جديد، من دون الحاجة إلى نحت الجسد المدرع بأكمله مرة أخرى. الوجه، إذاً، قابل للتغيير، أما الوقفة العسكرية، والدرع، والحجم المهيب، والرموز التي تعلن النصر، فتبقى في مكانها.وهذا التفصيل يمنح القطعة قوة تتجاوز هوية الإمبراطور الذي مثّلته في الأصل، فالتمثال لا يوثق ملامح شخص واحد فحسب، إنما يقدم قالباً بصرياً للحكم نفسه: يتعاقب الأشخاص، بينما تحتفظ المؤسسة بهيئتها ورموزها ورسالتها.إنها، بقراءة معاصرة، صيغة مبكرة لفصل صورة السلطة عن صاحبها، فالحاكم الجديد لا يبدأ من الصفر، بل يرث جسداً سياسياً جاهزاً، ويضع وجهه فوق منظومة من الرموز صُممت قبل وصوله.درع يحكي قصةلا تبدو زخارف الدرع مجرد تفاصيل للزينة، إذ تحمل كل صورة منها جزءاً من الرسالة السياسية التي أرادت المنحوتة إيصالها.في أعلى الصدر يظهر «سول»، إله الشمس الروماني، وهو يخرج من المياه على عربة تجرها أربعة خيول، وتقرأ سوذبيز هذا المشهد بوصفه رمزاً لانتصار الضوء على الظلام، وتعبيراً عن السلام والاستقرار اللذين أراد النظام الإمبراطوري الجديد نسبهما إلى نفسه، كما تربط الدار الرموز الشمسية بالبرنامج السياسي للإمبراطور أغسطس وبفكرة انطلاق عصر جديد. وأسفل إله الشمس تظهر صورتان لـ«فيكتوريا»، إلهة النصر، تحيطان بنصب عسكري تعلق عليه أسلحة ودروع الجيوش المهزومة. وتربط الدار هذه الصور بالفتوحات والتفوق العسكري الروماني. ولم يكن المشاهد بحاجة إلى قراءة نص سياسي حتى يفهم المعنى العام، فالشمس تشرق، والنصر قائم، وأسلحة الأعداء معروضة، والإمبراطور يقف مرتدياً درعه، إنها حكاية كاملة عن نظام يقدم نفسه بوصفه المنتصر والقادر على إعادة العالم من الفوضى إلى الاستقرار.وتظهر على الأشرطة الواقية أسفل الدرع رؤوس كباش وسنوريات ووجوه أسطورية، ويربط شرح هذه الرموز بين هذه الصور ومعاني القوة والحماية من الشر.الصورة قبل الكلماتوضمت الإمبراطورية الرومانية شعوباً ولغات وثقافات متعددة، ومنحت هذه الطبيعة المتنوعة الصورة ميزة لا يمتلكها النص المكتوب، فالدرع والأسلحة والوقفة العسكرية والأعداء المهزومون رموز يمكن فهم معناها العام من دون إجادة لغة بعينها.فالضخامة تفرض الهيبة، والرخام يوحي بالديمومة، والزي العسكري يعلن القوة، والرموز الدينية تضيف إلى الحاكم شرعية تتجاوز قدراته البشرية، وباجتماع هذه العناصر، يصبح التمثال خطاباً سياسياً كاملاً من دون أن ينطق بكلمة.وفي تلك المرحلة، بحسب ألكسندرا أولسمان، متخصصة في المنحوتات والأعمال الفنية القديمة، كان الرومان منشغلين بكيفية نقل القوة من خلال الصورة، وبكيفية إضفاء الشرعية على هيكل إمبراطوري جديد، ووصفت القطعة بأنها تجسد لحظة تحوّل روما إلى صورتها الإمبراطورية في منحوتة واحدة.وهذه هي النقطة التي ترفع التمثال فوق كونه أثراً جميلاً أو قطعة ثمينة في مزاد، إنه شاهد على اكتشاف مبكر لحقيقة سياسية ما زالت قائمة: القوة لا يكفي أن تُمارَس، إنما تحتاج أيضاً إلى أن تُرى، وأن ترتبط في أذهان الناس بصورة ثابتة ومقنعة.سوق الفنبعد نحو ألفي عام، لم يعد الجذع يؤدي وظيفته الأصلية في فضاء ديني ومدني روماني، لكنه يدخل اليوم دائرة أخرى من دوائر النفوذ، هي سوق الفن العالمية.ويظهر سجل المعارض المنشور أن القطعة عُرضت في متحف المتروبوليتان للفنون خلال فترتين، وفي معرض الفنون بجامعة ييل، ثم في متحف جيه بول غيتي بين أغسطس 2021 وأغسطس 2024، قبل طرحها في المزاد بتقدير يتراوح بين 8 و12 مليون دولار. في الماضي، استمدت المنحوتة قيمتها من الدور الذي أدته داخل مشروع سياسي أراد تثبيت هيبة الحكم الإمبراطوري، أما اليوم، فتُقاس قيمتها بندرتها وجودة نحتها وتاريخ انتقالها ومكانتها في سوق الآثار.ومع ذلك، لم تفقد قدرتها القديمة على جذب الأنظار، فما زال الدرع يقود عين المشاهد إلى رموزه، وما زالت صور النصر والأسلحة المهزومة تعلن الرسالة ذاتها، وما زال الجسد يفرض حضوره رغم غياب الرأس.وربما تكون هذه هي الفكرة الأعمق التي تحملها القطعة: لا تعتمد السلطة على القوة وحدها، بل على الصورة التي تصنعها لنفسها، والرموز التي تختارها، والمساحات التي تحتلها في حياة الناس.جسدٌ بلا رأس: كيف صممت روما 'صنم السلطة' قبل ألفي عام؟
مدار الساعة ـ











