أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

التغيير ليس شماعة.. مستقبل أبنائنا لا يحتمل قرارات غير محسوبة


الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وتقييم الأداء المؤسسي

التغيير ليس شماعة.. مستقبل أبنائنا لا يحتمل قرارات غير محسوبة

الدكتور  جاسر عبدالرزاق النسور
الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وتقييم الأداء المؤسسي
مدار الساعة ـ

لا تكمن المشكلة في أن نغيّر؛ فالأمم لا تتقدم وهي واقفة في مكانها، ولا في أن نطوّر؛ فالتعليم الذي لا يتطور يتراجع. المشكلة تبدأ عندما يتحول «التغيير» إلى كلمة جاهزة تُستدعى لتبرير كل قرار، وعندما يُصبح كل من يسأل أو يعترض أو يحذر من النتائج محسوبًا على مقاومة التغيير.

وهنا تحديدًا، يصبح من حق المجتمع الأردني أن يتوقف ويسأل: هل كل اعتراض مقاومة للتغيير؟ وهل كل نقد هجوم؟ وهل كل قرار جديد يعني بالضرورة أننا نسير إلى الأمام؟

عندما يقول وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية إن الهجوم بحقه أمر صحي، لأن هناك تغييرًا وهناك مقاومة للتغيير، فإن العبارة تستحق التوقف عندها. فالنقد قد يكون صحيًا عندما يكشف خللًا أو يلفت النظر إلى مشكلة، لكنه ليس صحيًا لمجرد أنه هجوم. كما أن المعترض على قرار تربوي لا يصبح تلقائيًا من «مقاومي التغيير». المواطن الأردني الذي يسأل عن مستقبل أبنائه لا يحتاج إلى تصنيف، وإنما يحتاج إلى إجابة واضحة ومقنعة.

والحديث عن تغيير نظام التوجيهي، وتقديمه باعتباره خطوة تهدف إلى تخفيف الضغط عن الطلبة، يفتح بدوره بابًا واسعًا للأسئلة. فالمجتمع لا يريد تغيير النظام لمجرد تغيير النظام، وإنما يريد أن يعرف ماذا تحقق فعلًا، وهل أصبح الطالب أكثر استقرارًا وعدالة، وهل خفت الأعباء عن الأسرة، وهل أصبح المسار التعليمي أكثر وضوحًا.

إن التغيير في منظومة تمس مستقبل أبنائنا لا يُقاس بالشعارات، وإنما بالنتائج التي تظهر على أرض الواقع.

والأمر ذاته ينطبق على المنصات التعليمية والمدرسة والمعلم. فالمنصة ليست تعليمًا بحد ذاتها، والتكنولوجيا ليست بديلًا عن المعلم، والمدرسة لا تستطيع وحدها أن تقوم بكل الأدوار في عالم يتغير بسرعة. المطلوب منظومة متكاملة تجعل التكنولوجيا في خدمة التعليم، وتجعل المدرسة بيئة حقيقية للتعلم، وتعطي المعلم الأدوات والتدريب والدعم الذي يمكّنه من أداء دوره.

فالمعيار في النهاية ليس عدد المنصات ولا كثرة الحديث عنها، وإنما مقدار ما يتعلمه الطالب وما يكتسبه من مهارات ومعرفة.

وحتى ملف الامتحانات والغش، لا يجوز اختزاله في العقوبات أو في أعداد الطلبة الذين تُضبط بحقهم مخالفات. الغش مرفوض ولا يمكن تبريره، لكن حماية الامتحان تحتاج أيضًا إلى مراجعة منظومة الامتحان نفسها، من حيث وضوح الأسئلة والتعليمات، وعدالة القياس، والوقت، والظروف التي يعيشها الطلبة.

لأن المطلوب ليس فقط أن نمنع الغش، وإنما أن نبني امتحانًا يشعر الطالب أنه عادل وشفاف ويقيس قدراته الحقيقية.

وعندما نصل إلى المناهج واللجان التي يفترض أن تقود عملية التطوير، يصبح السؤال أكثر أهمية: أين معيار الكفاءة؟

إذا كنا نريد تغييرًا حقيقيًا، فلا بد أن يكون اختيار أعضاء اللجان قائمًا على الخبرة والتخصص والكفاءة والقدرة على الإنجاز، لا على المجاملة أو تكرار الأسماء. ولا يجوز أن تتحول اللجان إلى غاية بحد ذاتها أو إلى مواقع لتوزيع الأدوار؛ فاللجنة التي لا تترك أثرًا واضحًا في التعليم تحتاج إلى مراجعة دورها ونتائجها.

ومن حق المجتمع أن يعرف: من اختير؟ ولماذا اختير؟ ماذا أنجز؟ وما الذي تغير بسبب عمله؟ هذه ليست أسئلة عدائية، وإنما أسئلة طبيعية في أي عملية إصلاح حقيقية.

وهنا نصل إلى الحقيقة الأهم: التعليم أكبر من الوزير، وأكبر من الوزارة، وأكبر من أي لجنة أو مسؤول.

الوزير مسؤول عن إدارة المرحلة، لكنه ليس صاحب التعليم، والوزارة تدير المنظومة لكنها لا تملك مستقبل أبنائنا. هذا المستقبل ملك للوطن كله، ولذلك فإن المجتمع شريك في النقاش، والمعلم شريك، والطالب شريك، والأسرة شريك، والجامعة شريك.

نحن لسنا ضد التغيير، ولسنا أسرى للماضي، لكننا نريد تغييرًا مدروسًا لا تغييرًا لمجرد إثبات أن شيئًا ما تغير. نريد إصلاحًا يسمع أهل الميدان، ويستند إلى الخبرة، ويقيس النتائج، ويعترف بالخطأ إذا وقع، ويصحح المسار إذا احتاج الأمر إلى تصحيح.

أما أن يصبح كل من يسأل مقاومًا للتغيير، وكل من ينتقد مهاجمًا، وكل من يطالب بالمراجعة معطلًا للإصلاح، فهذه ليست الطريقة التي تبنى بها الثقة بين الدولة والمجتمع.

التعليم لا يحتاج إلى معارك، ولا إلى تصنيف الناس بين مؤيد ومعارض. يحتاج إلى عقل بارد، وقرار مدروس، وخبرة حقيقية، وشفافية، واستعداد دائم لسماع الرأي الآخر.

فالذي يريد أن يغير التعليم عليه أن يقنع المجتمع بنتائج التغيير، لا أن يطلب منه أن يصفق له قبل أن يرى النتائج. ومن يضع مستقبل أبنائنا أمامه، عليه أن يعرف أن السؤال ليس مقاومة، والنقد ليس عداءً، والمراجعة ليست تراجعًا.

نحن لا نخاف من التغيير، لكننا نخاف من تغيير لا نعرف إلى أين يقودنا.

حمى الله الأردن، وأدام على وطننا أمنه واستقراره، وحفظ قيادته الهاشمية، ليبقى الأردن كما عهدناه ثابتا على مواقفه، عزيزا بأهله، شامخا بتاريخه، وماضيا بثقة نحو المستقبل.

مدار الساعة ـ