أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

قراءة تحليليّة.. المشاركة السياسية للعرب داخل إسرائيل ومعادلات ما بعد حرب غزة


عمار محمد سالم

قراءة تحليليّة.. المشاركة السياسية للعرب داخل إسرائيل ومعادلات ما بعد حرب غزة

مدار الساعة ـ

في أحد اللقاءات التي جمعتني بأحد السياسيين من الداخل الفلسطيني، دار نقاش حول العلاقة بين المواطنين العرب داخل إسرائيل، والحكومة الإسرائيلية، ومستقبل القضية الفلسطينية

يطرح النقاش السياسي حول وضعية المواطنين العرب داخل إسرائيل عرب 48 سؤالاً جوهرياً يتجاوز مجرد وجود مؤسسات وأحزاب سياسية تمثلهم في البرلمان الكنيست.

هل ترى الحكومة الإسرائيلية المواطنين العرب بوصفهم قوة سياسية يمكن أن تؤثر في مسار الدولة وقراراتها، أم أن مشاركتهم السياسية تبقى محكومة بسقف لا يسمح لهم بتغيير القضايا القومية والمصيرية؟

ورغم أن وجود الأحزاب العربية والتنافس الانتخابي يُظهر ظاهرياً هامشاً من المشاركة الديمقراطية، إلا أن التجربة الممتدة لعقود أثبتت أن هذه المشاركة تظل محكومة بسقف هيكلي صلب نابع من تعريف الدولة لنفسها ومحددات المؤسسة الأمنية، مما يجذب الممثل السياسي العربي دائمًا نحو المفارقة التالية: قد تملك المقعد البرلماني وحق التصويت، ولكن هل تملك الأدوات اللازمة للتأثير في خيارات الحرب والمواطنة وتحديد المستقبل السياسي؟

حدود التأثير السياسي: قراءة في تجربة الائتلاف الحكومي الحكومة الـ 36

لتفكيك معضلة المشاركة السياسية والتحقق من حدودها العملية، يُشكل دخول القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس إلى الائتلاف الحكومي الـ36 حكومة بينيت - لابيد عام 2021 محطة تاريخية واختباراً عملياً غير مسبوق في تاريخ إسرائيل السياساتي.

نهج النهوض بالمطالب المدنية المواطنة الإنجازية: سعت القائمة الموحدة إلى اعتماد نهج براغماتي خدمي يُركز على انتزاع مكاسب مدنية ملموسة الميزانيات المخصصة للمجتمع العربي، خطط مكافحة الجريمة والافتراس، الاعتراف ببعض قرى النقب، مع تجميد البحث في قضايا الصراع الوطني الكبرى.

نهج النضال القومي الشامل: تبنت قوى أخرى مثل الجبهة الديمقراطية والتجمع الوطني موقفاً يرى أن التنازل عن البعد القومي والسياسي مقابل مكاسب خدمية يُكرّس تعامل الدولة مع العرب ك رعايا ومجموعات سكانية لا كأصحاب حق قومي أصيل في وطنهم.

وقد أظهرت نتائج هذه التجربة أن الوجود داخل الائتلاف يمنح الممثل العربي بالفعل أوراق تفاوضية لحلحلة ملفات الميزانيات والبنية التحتية المحلية، ولكنه يصطدم فوراً بحائط سد عندما يتعلق الأمر بالقوانين الجوهرية (مثل قانون القومية) أو العمليات العسكرية الخارجية أو السياسات المعتمدة تجاه الضفة وغزة، حيث ظلت الغلبة المطلقة للتوازنات الصهيونية الحاكمة.

المنظومة الإسرائيلية وهنا نسئل هل تخاف إسرائيل أو نتنياهو من العرب؟

اولاً: الخوف الانتخابي يدرك نتنياهو والمعسكر اليميني تماماً أن رفع نسبة تصويت المواطنين العرب التي تراوحت بين 53% و65% في جولات سابقة يُشكل التهديد الأكبر لأغلبية اليمين الائتلافية. لذا ينصب السعي السياسي نحو نزع الشرعية عن التمثيل العربي، واستخدام الشطب التشريعي أو التحريض الانتخابي لتثبيط الكتلة العربية وتشتيت أصواتها.

ثانيا: البنية العقائدية للمؤسسة القرار السياسي والعسكري في إسرائيل يصدر عن شبكة معقدة تتصدرها المؤسسة الأمنية (الشاباك والجيش) والتوازنات الائتلافية الصهيونية. ومن ثم، فإن خوف المنظومة ليس خوفاً من شخص أو حزب عربي محدد، بل من إمكانية تحول العرب إلى كتلة مرجحة تستطيع تعطيل أو تحويل الخيارات الاستراتيجية للدولة.

في ازدواجية السلوك السياسي الإسرائيلي

تجلى التناقض الصارخ في سلوك نتنياهو ومحيطه السياسي بين إجراء مفاوضات غير معلنة مع الأحزاب العربية لبناء شبكة أمان حكومية عندما اقتضت المصلحة الانتخابية، وبين يقود تحركات تشريعية وإعلامية لحظر ومنع القوائم العربية تحت ذرائع أمنية عندما أصبحت تلك القوائم تشكل دعامة لمعسكر خصومه السياسي.

4. ما بعد حرب غزة تعقيدات الإعمار ومآزق القرار السياسي

ماذا بعد حرب غزة؟ وكيف يتداخل هذا الملف مع دور العربي داخل الحكومة الإسرائيلية؟

إن إعادة إعمار قطاع غزة ليست مجرد عملية هندسية لرفع الركام وبناء المساكن والمستشفيات، بل هي عملية سياسية وأمنية بامتياز، ترتبط بحجم أضرار مادية وتنموية هائل قُدرت احتياجاتها الأولى بمليارات الدولارات وتتجاوز 70 مليار دولار على المدى البعيد وفق تقارير ومخططات المانحين الدوليين ومجلس السلام.

الشرط السياسي والأمني المزدوج: تفرض إسرائيل والولايات المتحدة والمجتمع الدولي ترتيبات تشترط إنهاء النفوذ العسكري والأمني، وتشكيل لجان إدارية تكنوقراطية، وربط التمويل بضمانات عدم مراكمة القوة مجدداً.

صراع الإرادات والوصاية: تصر السلطة الفلسطينية والقوى القومية على أن أي خطة إعمار منفصلة عن مسار تسوية سياسية شاملة تؤدي إلى تقرير المصير هي مجرد إدارة أزمة وتأجيل للانفجار، بينما تسعى إسرائيل لحصر الإعمار في أطر أمنية منضبطة.

وهنا يظهر التناقض الأكبر للسياسي العربي المتواجد داخل حكومة إسرائيلية؛ إذ أن القرارات المتعلقة بالحصار، والحدود، والعمليات العسكرية بغزة يتم البت فيها داخل الكابينت الأمنية والمؤسسة العسكرية وحتى لو توفرت نية لدى ممثل عربي لدعم أهل غزة وحقهم في الإعمار والحرية، فإن قدرته على تعديل عقيدة الدولة الأمنية تصطدم بالسقف الهيكلي الصلب، مما يضعه أمام معضلة أخلاقية وسياسية مستمرة.

5. بين العزلة والواقعية: السياسة لن تتركك حتى لو اعتزلتها

أمام القيود الهيكلية المعقدة، ينقسم الشارع العربي إلى رأيين بين مقاطعة النظام السياسي أو الاستمرار في خوض الانتخابات. إلا أن القراءة الواعية للواقع الإسرائيلي تفرض حقيقة حاسمة:

إن قرار الابتعاد عن الساحة الانتخابية لا يعني إيقاف عجلة القرارات الإسرائيلية؛ فالكنيست والحكومة يستمران في سن التشريعات، وتوزيع الميزانيات، وتمرير مخططات مصادرة الأراضي والجريمة والتهجير سواء شارك المواطنون العرب أم اعتزلوا. ومن هنا، فإن العزلة السياسية تُخلي الساحة تماماً لليمين المتطرف لفرض أجندته دون مقاومة من داخل المؤسسة.

المشاركة كأداة صمود وانتزاع حقوق: تظل المشاركة البرلمانية والائتلافية، رغم حدودها، أداة مهمة للرفض والتفاوض وانتزاع الموارد وحماية الهوية والمجتمع من التهميش الكامل.

المشاركة المسؤولة وغير المشروطة بشعارات: يجب أن تحظى المشاركة بتقييم مستمر يتجاوز عدد المقاعد، ليركز على النتائج الحقيقية والثمن السياسي المدفوع ومدى الحفاظ على الثوابت.

وفي الختام إن التأثير السياسي للمواطنين العرب في إسرائيل ليس منحة تُعطى، بل هو مساحة صراع تُكتسب بالأدوات والوعي والتنظيم رغم محدوديتها. ورغم أن المنظومة السياسية والأمنية الإسرائيلية تضع سقفاً مانعاً أمام التغيير في قضايا الحرب والسلام ومستقبل غزة، فإن العزلة والاستسلام ليسا البديل إن التحدي الحقيقي أمام القيادات والأحزاب العربية في المراحل القادمة يتطلب صياغة معادلة تجمع بين صلابة الموقف الوطني والقومي والذكاء البراغماتي في خوض المعارك المدنية والبرلمانية، للتحول من مجرد رقماً انتخابياً يُستغَل في الصراعات الحزبية الإسرائيلية إلى كتلة سياسية وازنة تحمي مجتمعها وتفرض حقوقه في المواطنة والكرامة والاستقلالية.

مدار الساعة ـ