أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المغطس 2030: رسالة الأردن إلى العالم


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

المغطس 2030: رسالة الأردن إلى العالم

مدار الساعة ـ

اجتمعت يوم أمس مع السيد بريندان ميتكالف خلال زيارته للملكة الأردنية الهاشمية وهو الرئيس التنفيذي لمؤسسة أصدقاء الأرض المقدسة (Friends of the Holy Land) البريطانية، في لقاء تناول أهمية الترويج دولياً للاحتفالية الكبرى التي يستعد لها الأردن عام 2030 بمناسبة مرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح في موقع المغطس، وأهمية تشجيع المسيحيين من مختلف الكنائس والطوائف حول العالم على زيارة الأردن والمشاركة في هذه المناسبة التاريخية والروحية الاستثنائية.

كان الحديث مهماً، ليس فقط لما تمثله مناسبة عام 2030، وإنما لأن الوصول إلى ملايين المسيحيين حول العالم يحتاج إلى شراكات حقيقية مع المؤسسات والكنائس والشبكات المسيحية الدولية القادرة على إيصال رسالة الأردن إلى مجتمعات واسعة، وتحويل الاهتمام بالمغطس من معرفة دينية وتاريخية إلى حركة حج وزيارات مستدامة إلى الأردن.

وتُعد مؤسسة أصدقاء الأرض المقدسة (Friends of the Holy Land) مؤسسة خيرية مسيحية بريطانية تعمل لخدمة ودعم المجتمعات المسيحية في الأراضي المقدسة، ومن بينها الأردن، من خلال برامج إنسانية وتنموية متعددة. وتقوم رسالتها على قيم المحبة والتضامن وخدمة الإنسان، وتدعم برامج في مجالات التعليم والرعاية الصحية ودعم الأسر وسبل العيش، إلى جانب المبادرات المجتمعية والثقافية والإنسانية. وهي مؤسسة حيادية ذات رسالة إنسانية ومسيحية نبيلة، تعمل من خلال شبكة من العلاقات والشراكات بهدف مساندة المجتمعات وتعزيز التواصل والتضامن بينها.

هذه الأهداف تلتقي في جوانب عديدة مع الرسالة التي يحملها الأردن، ومع الرؤية الوطنية المدعومة بتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لتعزيز مكانة المملكة كوجهة عالمية للحج المسيحي، وبصورة خاصة مع الاستعداد لإحياء الذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030. فهذه المناسبة تتجاوز كونها فعالية سياحية أو دينية محدودة، لتصبح فرصة للأردن كي يقدم للعالم جزءاً أصيلاً من هويته التاريخية والدينية، ومكانته كنموذج للعيش المشترك والاعتدال واحترام التنوع الديني.

وقد شكّلت جهود جلالة الملك عبدالله الثاني ركيزة أساسية في ترسيخ هذا الحضور الأردني، من خلال رعايته المستمرة للمقدسات والمواقع الدينية، وحرصه على الحفاظ على الحضور المسيحي في المنطقة وتعزيز قيم الوئام والعيش المشترك. وجاء توجيه جلالته للحكومة بتبني ودعم مبادرة إحياء الذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030، والتأكيد على تطوير البنية التحتية والخدمات في موقع المغطس ومتابعة سير العمل، ليعكس اهتماماً ملكياً مباشراً بتحويل هذه المناسبة إلى حدث عالمي يليق بالمكانة الدينية والتاريخية للأردن. كما أن حضور جلالته وعلاقاته الدولية يشكلان رصيداً مهماً في إيصال رسالة الأردن إلى العالم، وتعزيز صورته وطناً للسلام والمحبة والوئام الديني.

والأردن يتحرك بالفعل في هذا الاتجاه. فالحكومة تعمل من خلال اللجنة الوطنية المختصة والوزارات والمؤسسات المعنية على التحضير للمناسبة وتطوير المنطقة المحيطة بالمغطس، ورفع مستوى البنية التحتية والخدمات وتجربة الحاج والزائر، إلى جانب المشروعات التي يجري تنفيذها في المنطقة استعداداً لعام 2030. كما تتواصل الجهود لتعزيز حضور الأردن على خارطة السياحة والحج الديني عالمياً، وبناء علاقات أوسع مع الكنائس والمرجعيات والمؤسسات المسيحية خارج المملكة.

لكن مناسبة بهذا الحجم تحتاج أيضاً إلى توسيع دائرة العمل الدولي. فالعالم المسيحي لا يمكن الوصول إليه من خلال الحملات السياحية التقليدية وحدها. هناك كنائس ومؤسسات خيرية وجامعات وجمعيات دينية وثقافية ومنظمات حج وشبكات مجتمعية تمتلك علاقات مباشرة مع ملايين المسيحيين حول العالم. وهذه المؤسسات تستطيع أن تكون شريكاً مهماً للأردن في نقل رسالة المغطس والتعريف بالمواقع المسيحية في المملكة.

ومن هنا تأتي أهمية التعاون مع مؤسسات مثل أصدقاء الأرض المقدسة وغيرها من المؤسسات الدولية ذات الحضور والعلاقات في بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة ودول أخرى. المطلوب ليس فقط الترويج لحدث يقع في عام 2030، وإنما بناء شبكة دولية تبدأ عملها منذ الآن، وتساهم في التعريف بالمغطس، وتنظيم الزيارات وبرامج الحج، والتواصل مع الكنائس والمجتمعات المسيحية، وإطلاق مبادرات ثقافية وتعليمية ودينية مرتبطة بالأردن ومواقعه المسيحية.

الحكومة تقوم بخطوات مهمة على مستوى التخطيط والتطوير والتواصل الدولي، لكن حجم المناسبة يفتح المجال أمام مشاركة أوسع للقطاع الخاص والمجتمع المدني والكنائس والمؤسسات الأردنية، والاستفادة من شبكة العلاقات الدولية التي يمتلكها الأردنيون في مختلف أنحاء العالم. فالنجاح هنا لا تصنعه جهة واحدة، بل منظومة وطنية تتواصل مع العالم برسالة واضحة وهدف مشترك.

كما أن الأثر الذي نطمح إليه يجب ألا ينتهي بانتهاء احتفالية عام 2030. النجاح الحقيقي هو أن تتحول المناسبة إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة في السياحة الدينية في الأردن، وأن يصبح المغطس جزءاً ثابتاً من برامج الحج المسيحي العالمية، مرتبطاً بمسارات تشمل المواقع المسيحية والتاريخية الأخرى في المملكة، بما ينعكس على السياحة والفنادق والنقل والمجتمعات المحلية وفرص العمل والاستثمار.

عام 2030 ليس مجرد موعد لاحتفال ديني، بل فرصة تاريخية للأردن لبناء حضور عالمي طويل الأمد في مجال الحج المسيحي. فقيمة المغطس الروحية والتاريخية، ومكانته في الوجدان المسيحي العالمي، تمنح الأردن فرصة استثنائية للوصول إلى ملايين المسيحيين حول العالم. ما نحتاج إليه هو أن ننجح في إيصال هذه الرسالة إلى العالم، وأن نبني حولها شبكة دولية من الكنائس والمؤسسات والشركاء الذين يؤمنون بأهمية المكان ويساهمون في دعوة الناس إليه.

إن الاستعداد لعام 2030 هو استثمار في مكانة الأردن ورسالة الأردن وحضوره في العالم. لدينا موقع يحمل قيمة روحية استثنائية، ودولة عُرفت تاريخياً بالسلام والمحبة وحماية المقدسات واحترام التنوع. وما تقوم به الدولة اليوم من بناء للشراكات والانفتاح على المؤسسات والكنائس والمجتمعات المسيحية حول العالم يمكن أن يجعل من هذه المناسبة نقطة انطلاق لمرحلة جديدة، يصبح فيها الأردن وجهة رئيسية للحج المسيحي، وتتحول فيها احتفالية 2030 إلى إرث وطني واقتصادي وسياحي وثقافي مستدام للأجيال القادمة.

مدار الساعة ـ