أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من الأعلى.. هل يُعيد التلفريك رسم حكاية عمّان؟


موسى الزيود

من الأعلى.. هل يُعيد التلفريك رسم حكاية عمّان؟

مدار الساعة ـ

مدينة بدأت حكايتها من الوادي، ثم صعدت الجبال، ولعلها اليوم تستعد لأن ترى نفسها من الأعلى، فهناك مدن تُكتشف في شوارعها، وأخرى تُقرأ في مبانيها، ومدن لا تكشف اسرارها الا عندماتصعد الى اعلى نقطة فيها وتلتفت الى امتدادها من حولك .

عمّان لا تحتاج إلى أن تقلد مدينة أخرى ولا ان تخترع لنفسها هوية جديدة، هويتها موجودة اصلا في الجبل والحجر والدرج والسوق والقهوة والمدرج والقلعة والأزقة، وما تحتاجه هو طريقة مختلفة تجعل هذه العناصر تُرى معا وتُفهم باعتبارها أجزاء من حكاية واحدة .

فعمّان ليست مجموعة أماكن متفرقة؛ وانما مدينة صاغتها الجبال، وتكشف تضاريسها طبقات من التاريخ والحياة اليومية قد لا تظهر كلها من مستوى الشارع.

ومن هنا تأتي فكرة مشروع تلفريك عمّان: ليس بوصفه وسيلة نقل معلّقة فحسب، وانما كطريقة محتملة لرؤية المدينة وقراءة علاقتها بجغرافيتها .

فعندما ترتفع المقصورة فوق الأحياء، تتغير الصورة امام العين ، تتحول الطرق إلى خطوط، والسيارات إلى نقاط، والأحياء إلى أجزاء من نسيج واحد، وما يبدو على الارض اماكن متباعدة قد يظهر من الاعلى كقصة واحدة، وهنا يصبح الطريق نفسه جزءا من الحكاية .

فالحديث عن تلفريك عمّان لا يتعلق بالكابل أو المقصورة وحدهما، بل بسؤال أعمق: كيف تريد عمّان أن ترى نفسها بعد سنوات؟

في التصور الاوسع للمشروع، لا ينبغي أن تكون المحطة مجرد مكان يصعد منه الزائر الى المقصورة ثم يغادرها عند المحطة التالية، يمكن أن تصبح بوابة إلى سوق، أو حي، أو مسار مشاة، أو ساحة، أو موقع تاريخي، أو مطعم، أو فعالية ثقافية، أو نقطة مشاهدة.

وإذا ارتبطت المحطات فعليا بالنسيج الحضري المحيط، فلن ينتهي أثر المشروع عند نهاية الكابل، بل قد يبدأ هناك، في الشوارع والأحياء والأسواق التي يمكن أن تستقبل حركة الزوار وتحولها الى نشاط اقتصادي وثقافي وحضري .

ففي عمّان، لا يوجد التاريخ في المتاحف وحدها، انه موجود في المشهد: المدرج الروماني، جبل القلعة، وسط البلد، الأسواق، الساحات، والمباني القديمة، وفي التفاصيل الصغيرة التي لا تلتقطها الخريطة بسهولة.

من الأرض قد تبدو هذه المواقع قصصاً منفصلة، لكن رؤيتها من الأعلى يمكن أن تكشف العلاقة بينها، وتجعل التلفريك إذا ارتبط بمسارات سياحية وثقافية واضحة أداة لقراءة المدينة لا مجرد مشروع بنية تحتية.

فإذا نُظر إلى التلفريك باعتباره مشروعاً منفرداً، فسنرى محطات وكابلات ومقصورات، أما إذا نُظر إليه باعتباره جزءاً من منظومة تطوير عمراني وسياحي، فستظهر صورة مختلفة تماماً.

عمّان مدينة تحمل تاريخاً طويلاً ، فيها آثار رومانية، ومواقع تاريخية، وذاكرة عمرانية، وأسواق قديمة، وأحياء تشكلت عبر مراحل متعاقبة، لكنها في الوقت نفسه ليست مدينة تعيش في الماضي، انها عاصمة معاصرة تتحرك وتتوسع وتتغير ولهذا يمكن لمشروع التلفريك ان يفتح مساحة جديدة للحوار بين زمنين: مدينة بتاريخها العميق، ومدينة تبحث عن أدوات جديدة لتقديم التاريخ .

تلفريك عمّان.. هل يغيّر وجه وسط البلد؟

منذ سنوات يمتلك وسط عمّان تقريبا كل ما يحتاجه ليكون قلبا سياحيا نابضا: المدرج الروماني، الاسواق القديمة، جبل القلعة، المقاهي والمطاعم، الحرف، الساحات وذاكرة المكان، ولكن ما ينقص هذه العناصر في نظر كثير من الزوار هو أن يشعروا بانها اجزاء من تجربة واحدة .

فالسائح ينزل إلى المدرج الروماني، ثم يسأل كيف أصعد إلى القلعة، والطريق متعب، والمشوار بين جبل القلعة وجبل اللويبدة يبدو منفصلاً رغم أنه لا يتجاوز دقائق على الخريطة، وهذه الفجوة هي ما جاء مشروع تلفريك عمّان ليردمها.

وبحسب ما اعلنته الجهات الرسمية عن المشروع، فقد بدأت امانة عمان إجراءات تتعلق بمواقع ومسارات المشروع في منطقة وسط البلد، ضمن تصور يربط عددا من النقاط الرئيسية في المنطقة، وهنا يجب الا نتعامل مع المشروع باعتباره مجرد وسيلة صعود وهبوط، بل باعتباره مشروعا يمكن أن يعيد تنظيم علاقة الزائر بوسط عمان .

فالمشروع مساره واضح: مساران يربطان جبل القلعة بجبل اللويبدة ثم المدرج الروماني، عبر أربع محطات رئيسية مصممة بالحجر العماني لتنسجم مع هوية المدينة، بأنظمة تشغيل صديقة للبيئة وخدمات متكاملة من أماكن انتظار ومتاجر للحرف.

كيف كان الوضع قبل التلفريك؟

الآن الزيارة لوسط البلد مجزأة، كل معلم منفصل، القلعة في الأعلى تتطلب جهداً للصعود، والمدرج في الأسفل، واللويبدة الثقافية معزولة رغم قربها، فالسائح الأجنبي، خاصة الأوروبي المعتاد على التلفريك في تركيا وأوروبا، يجد الصعوبة في الربط بين هذه المواقع، فيكتفي بواحد ويغادر، والحركة التجارية كانت موسمية، والمحال في الوسط تعتمد على المارة أكثر من اعتمادها على مسار سياحي واضح .

ماذا سيحدث بعد التلفريك ؟

إذا انجز المشروع وفق الرؤية المُعلنة، وربط بين المواقع والمحطات والنقل والمسارات المحيطة بها، فقد تتغير المعادلة على اكثر من مستوى .

أولاً، سياحياً: يمكن ان تصبح الرحلة نفسها جزءا من المنتج السياحي، فالزائر لا ينتقل فقط من مكان الى اخر، وانما يشاهد عمان من الاعلى ، ويرى البيوت والجبال والاسواق والمعالم ضمن مشهد واحد، وقد يضيف لك تجربة جديدة الة زيارة المدينة وربما يشجع على قضاء وقت اطول .

ثانياً، اقتصادياً: يمكن لحركة الزوار الجديدة ان تفتح فرصا امام المطاعم والمقاهي ومحال الحرف والانشطة الثقافية والخدمات القريبة من المحطات والمسارات، لكن حجم هذا الاثر لن يتحدد بالتلفريك وحدجه بل بطريقة إدارة المشروع وربطه بالاقتصاد المحلي وقدرة الحياء على استقبال الحركة الجديدة.

ثالثاً، عمرانياً: يمكن للمشروع أن يدفع باتجاه النظر الى وسط البلد باعتباره وجهة متكاملة، لا مجرد مجموعة مواقع منفصلة، فالمحطة قد تصبح نقطة دخول الى الحي، والمسار قد يقود الى السوق ، والسوق الى موقع تاريخي، والموقع الى مسار مشاة اخر.

الفرق باختصار: قبل التلفريك كانت عمّان تُزار، بعد التلفريك ستصبح عمّان تُعاش.

قبل كانت المعالم متقاربة على الخريطة ومتباعدة في التجربة .

بعد التلفريك ستصبح رحلة واحدة متصلة تبدأ من مركز المدينة وتصعد إلى القلعة وتنتهي في اللويبدة.

فاذا كان الشارع قد علمنا كيف نمشي في عمّان، فقد يُعلمنا التلفريك كيف نراها .

مدار الساعة ـ