أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المعلم.. حين يصبح التعليم أثرًا لا يغيب


د. مريم علي اليماني
كاتبة وباحثة في الفلسفة العملية

المعلم.. حين يصبح التعليم أثرًا لا يغيب

د. مريم علي  اليماني
د. مريم علي اليماني
كاتبة وباحثة في الفلسفة العملية
مدار الساعة ـ

في يوم المعلم، لا تكفي عبارات التهنئة، ولا تستطيع الكلمات أن تفي صاحب هذه الرسالة النبيلة حقه؛ لأن المعلم ليس مجرد اسمٍ يرتبط بمهنة، ولا شخصًا يقف أمام سبورة ليشرح درسًا، بل هو إنسان يشارك في بناء الإنسان نفسه، ويترك في ذاكرة الأجيال ما لا تستطيع السنوات أن تمحوه.

ومن موقعي الأكاديمي والتربوي، كلما تأملت رسالة المعلم ازددت يقينًا بأن التعليم ليس نقلًا للمعرفة فحسب، وإنما هو بناءٌ للعقل، وتهذيبٌ للوجدان، وتشكيلٌ للوعي، وإعدادٌ للإنسان الذي سيحمل غدًا مسؤولية أسرته ومجتمعه ووطنه.

لقد علّمتنا الحياة أن بعض الكلمات تعيش أطول من أصحابها، وأن بعض المواقف الصغيرة قد تصنع في حياة الإنسان تحولًا كبيرًا. وربما لا يدرك المعلم، وهو يلقي كلمته أو يقدم نصيحته أو يمنح طالبًا ابتسامة تشجيع، أن تلك اللحظة قد تصبح ذكرى ترافق ذلك الطالب سنوات طويلة.

كم من طالبٍ كان يحتاج إلى من يؤمن به قبل أن يؤمن هو بنفسه، وكم من موهبةٍ كادت أن تضيع لولا معلم التفت إليها، وكم من إنسانٍ كان على وشك الانسحاب من الطريق، فجاءت كلمة من معلمه لتعيد إليه ثقته بنفسه.

لهذا، فإن المعلم الحقيقي لا يعلّمنا ما نعرفه فقط، بل يساعدنا على اكتشاف ما نستطيع أن نكونه.

وفي مسيرتي الأكاديمية والتربوية، ازددت قناعة بأن أعظم نجاح للمؤسسة التعليمية ليس في عدد الشهادات التي تمنحها، ولا في حجم المعلومات التي تقدمها، وإنما في الإنسان الذي تخرّجه إلى الحياة: إنسان يعرف كيف يفكر، وكيف يحاور، وكيف يحترم الاختلاف، وكيف يحمل العلم بمسؤولية، والقيم بوعي، والإنسانية بصدق.

وفي زمنٍ أصبحت فيه المعلومة متاحة بضغطة زر، وتطورت فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بصورة غير مسبوقة، يبقى المعلم حاضرًا في جوهر العملية التعليمية؛ لأن المعلومة يمكن أن تصل إلينا من مصادر كثيرة، لكن التربية تحتاج إلى إنسان، والقدوة تحتاج إلى إنسان، وفهم مشاعر الطالب واحتواء قلقه واكتشاف موهبته وبناء ثقته بنفسه تحتاج إلى قلبٍ واعٍ وروحٍ مسؤولة.

إننا لا نحتاج إلى معلمٍ يملأ العقول بالمعلومات فقط، بل إلى معلمٍ يوقظ الأسئلة، ويزرع الفضول، ويعلّم أبناءنا أن العلم قيمة، وأن المعرفة مسؤولية، وأن النجاح الحقيقي لا يقاس بما نملكه من شهادات فحسب، وإنما بما نتركه من أثر في حياة الآخرين.

وفي هذا اليوم، أتذكر بكل امتنان معلمي ومعلماتي، وكل من كان له فضل في مسيرتي، وكل يدٍ امتدت في بدايات الطريق لتدلني، وكل كلمةٍ صنعت في داخلي دافعًا للاستمرار. فمهما بلغ الإنسان من علم، يبقى في داخله ذلك الطالب الذي يتذكر معلمًا أحبه، أو معلمةً آمنت به، أو موقفًا لم ينسه.

إلى كل معلم ومعلمة حملوا الرسالة بضمير، وأخلصوا للعطاء، وصبروا على أبنائنا، واحتملوا مشقة المهنة لأنهم يؤمنون بأن وراء كل طالب مستقبلًا يستحق أن يُبنى…

لكم مني كل التقدير والامتنان.

كل عام وأنتم بخير، وكل عام ورسالتكم أكثر حضورًا وأثرًا.

فالمعلم قد تنتهي حصته، وينتهي عامه الدراسي، ويتخرج طلابه، لكنه لا يغادر حياتهم حقًا؛ لأن بعض المعلمين لا يسكنون دفاترنا، بل يسكنون ذاكرتنا، وبعض الدروس لا تُكتب على الورق، وإنما تُكتب في القلب.

كل عام ومعلمونا بخير…

وكل عام وأنتم تزرعون في العقول علمًا، وفي القلوب قيمة، وفي الحياة أثرًا لا يغيب.

مدار الساعة ـ