في الرابع من نيسان عام 2012 صدرت الارادة الملكية السامية بالموافقة على قانون الهيئة المستقلة للانتخاب رقم 11 لسنة 2012 لتولد من رحم مرحلة اصلاحية اراد لها الاردن ان تكون اكثر رسوخا في بناء الدولة الحديثة واكثر اقترابا من جوهر الديمقراطية التي لا تقاس بكثرة الصناديق وحدها بل بنزاهة الطريق الذي يقود اليها وبمقدار الثقة التي يضعها المواطن في مؤسسات وطنه ثم باشرت الهيئة عملها في ايار من العام ذاته لتبدأ معركة من نوع مختلف معركة بناء الثقة وترسيخ الحياد وحماية ارادة الناخب وتحويل الانتخابات من مجرد استحقاق دستوري الى ممارسة وطنية تقوم على العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون ولم تكن ولادة الهيئة مجرد انشاء مؤسسة جديدة في جسد الدولة بل كانت في معناها الاعم ولادة لفكرة تقول ان الديمقراطية لا تحيا بالشعارات وان الانتخابات لا تكون نزيهة لمجرد ان صندوقا وضع في غرفة اقتراع وانما تصبح نزيهة حين يشعر كل انسان يقف امام ذلك الصندوق ان صوته مصان وان القانون يقف على مسافة واحدة من الجميع وان لا احد يملك امتيازا خفيا على حساب احد ولهذا جاء جوهر رسالتها قائما على النزاهة والشفافية والحياد وعلى ادارة العملية الانتخابية وفقا لاحكام القانون وباستقلالية تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار وحين اشاد جلالة الملك عبدالله الثاني بجهود الهيئة في بدايات تجربتها وباعتمادها افضل المعايير والممارسات الدولية لضمان الانتخابات وفق اعلى درجات النزاهة والشفافية والحيادية..
حين يصبح الحياد شرفاً والوطن ميزاناً.. المستقلة للانتخاب وحكاية الرجال الذين يحرسون ثقة الناس
د. عمّار محمد الرجوب
حين يصبح الحياد شرفاً والوطن ميزاناً.. المستقلة للانتخاب وحكاية الرجال الذين يحرسون ثقة الناس
مدار الساعة ـ
لم تكن تلك الكلمات مجرد ثناء عابر على مؤسسة وليدة بل كانت رسالة وطنية عميقة تؤكد ان نزاهة الانتخابات ليست شأنا اجرائيا محدودا وانما هي جزء من مستقبل الوطن ومن حق كل اردني واردنية في ان تكون ارادته محل احترام وصون ومن هنا فان الحديث عن الهيئة المستقلة للانتخاب ليس حديثا عن مؤسسة تؤدي واجبا موسميا يظهر عند اقتراب موعد الاقتراع ثم يغيب بانتهاء الفرز بل هو حديث عن مدرسة وطنية تتعلم فيها المؤسسات والافراد معنى ان تكون المسؤولية اكبر من الموقع وان يكون القانون اقوى من العلاقات وان يكون الضمير هو الحارس الاول لكل قرار فالانتخاب في جوهره ليس ورقة توضع في صندوق بل لحظة يلتقي فيها المواطن مع الدولة على عهد من الثقة وكلما كانت تلك اللحظة اكثر عدلا وشفافية كان البناء الوطني اكثر قوة وثباتا واطمئنانا وقد تشرفت شخصيا بالعمل مع الهيئة المستقلة للانتخاب في عدد من اللجان والمحطات الانتخابية ورأيت عن قرب ما لا يمكن ان تصفه الكلمات من حرص حقيقي على ان يكون الجميع على مسافة واحدة من الجميع ولم يكن الحياد بالنسبة لي شعارا مكتوبا على جدار او عبارة تردد في المناسبات بل كان سلوكا رأيته في الميدان وممارسة عشت تفاصيلها وعملا يوميا يفرض على القائمين عليه ان يتعاملوا مع الجميع بالقدر نفسه من الاحترام والعدالة والمساواة وان لا يكون للقرب او البعد او الاسم او الموقع اثر في ميزان العمل وهنا تكمن عظمة المؤسسات حين تتحول القيم فيها من كلمات الى سلوك ومن نصوص الى ممارسة ومن شعارات الى ثقافة لقد رأيت في اللجان التي تشرفت بالعمل معها حرصا على ان نكون جميعا على سوية واحدة وان نؤدي ادوارنا دون تمييز وان نحترم القانون قبل الاشخاص وان نضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار وهذا في تقديري هو الامتحان الحقيقي لاي مؤسسة وطنية فليس التحدي ان تقول انك محايد بل ان تستطيع ان تكون محايدا حين تتعدد الاصوات وتتقاطع المصالح وتشتد الضغوط وفي هذا المقام لا بد من كلمة تقدير تليق بمعالي المهندس موسى حابس موسى المعايطة رئيس مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب الذي يقود هذه المؤسسة في مرحلة وطنية دقيقة تتطلب الحكمة والثبات والخبرة والقدرة على الموازنة بين صرامة القانون وانسانية التعامل فالقيادة الحقيقية ليست ان تتقدم الصفوف فحسب بل ان تجعل كل من خلفك يشعر ان القانون فوق الجميع وان النجاح مسؤولية جماعية وان المؤسسة لا تقوم على فرد مهما بلغ قدره وانما تقوم على منظومة متكاملة من الكفاءة والانضباط والنزاهةوقد كان حضور المهندس المعايطة في المشهد الانتخابي مرتبطا بالتأكيد على سيادة القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء او تمييز وعلى تعزيز مسيرة التحديث السياسي وهو ما يجعل موقعه في رئاسة الهيئة مسؤولية تتجاوز حدود الادارة الى المساهمة في ترسيخ الثقة بالمؤسسة وبالعملية الانتخابية وبقدرة الدولة على حماية ارادة المواطن والتحية كذلك لاعضاء مجلس المفوضين الذين يحملون مع الرئيس مسؤولية هذا الصرح الوطني ويشكلون معا مجلسا تقع على عاتقه مسؤوليات كبيرة في ادارة واستدامة واحدة من اهم التجارب المؤسسية في مسيرة الدولة الاردنية فالمؤسسات الكبرى لا تبنى بالصوت الواحد بل بتكامل الرؤى وتوازن المسؤوليات واحترام القانون والعمل بروح الفريق الواحد وفي هذا السياق يطيب لي ان اخص امين عام الهيئة الدكتور عواد الكرادشة بكلمة تقدير لما يقوم به من دور في متابعة العمل التنفيذي وتنسيق الجهود وترجمة توجهات الهيئة الى برامج وممارسات عملية وقد عرفت عنه الحضور المهني والحرص على التشاركية والشفافية والانفتاح وهي قيم لا تستقيم معها الادارة الناجحة فحسب بل تعزز ايضا ثقة العاملين والشركاء بالمؤسسة ورسالتها وقد ظهر ذلك في متابعة الخطط الاستراتيجية وفي ادارة ملفات التنسيق مع مختلف الشركاء وفي التأكيد على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع بما ينسجم مع جوهر رسالة الهيئة، ثم لا يمكن ان يكتمل الحديث عن هذه المنظومة دون الاشارة بكل تقدير الى الدكتور ناصر الحباشنة مدير العمليات الانتخابية الذي يمثل موقعه احد المفاصل المهمة في تحويل الخطط والتعليمات الى واقع ميداني منظم ويكفيه تقديرا ما يتطلبه هذا العمل من دقة ومتابعة وحسن ادارة للتفاصيل.كما اتقدم بالشكر للدكتور عيسى الطراونة مدير المعهد الانتخابي الاردني لما يقوم به من دور في تدريب وتأهيل العاملين ورفع جاهزيتهم وتعزيز فهمهم للاجراءات الانتخابية من خلال التدريب النظري والعملي والمحاكاة وهو جانب اساسي في بناء الكفاءة التي تحتاجها العملية الانتخابية في مختلف مراحلها.وهنا لا بد ان اتوقف عند جميع موظفي الهيئة المستقلة للانتخاب دون استثناء فالمؤسسة لا تختصر في رئيس او مفوض او امين عام او مدير وانما تقوم على منظومة كاملة من الرجال والنساء الذين يعملون في الادارات والوحدات والمديريات والاقاليم واللجان والمراكز وفي كل موقع يحتاج الى عين ساهرة وعقل منظم وضمير مهني فهناك من يعمل خلف المشهد وهناك من يقف في قلبه وهناك من يحمل التفاصيل الصغيرة التي لا يراها الجمهور لكنها في مجموعها تصنع صورة المؤسسة ونجاحهاوالتحية لكل رؤساء واعضاء لجان الانتخاب والاشراف وكل العاملين في مراكز الاقتراع والفرز وكل من شارك في التدريب والتجهيز والتنسيق والمتابعة وكل موظف ادى واجبه في صمت دون ان ينتظر شكرا او اضواء فهؤلاء هم الوجه العملي للنزاهة وهم الذين يحولون النصوص والقوانين الى سلوك يومي والذين يجعلون من الشعار ممارسة ومن المبدأ واقعا ومن المسؤولية امانة وقد علمتني تجربتي معهم ان العمل المؤسسي الحقيقي لا يقوم على فرد واحد مهما كان موقعه بل على سلسلة متكاملة من الجهود اذا اتقن كل انسان حلقته اكتملت الصورة واذا احسن كل شخص القيام بدوره اصبح النجاح نتيجة طبيعية للعمل الجماعي ولهذا فان تقديري للهيئة لا ينصرف الى شخص بعينه بقدر ما ينصرف الى ثقافة عمل رأيتها حاضرة في مواقع مختلفة والى منظومة حرصت في تجربتي معها على ان يكون الجميع على سوية واحدة وان يتعاملوا مع الجميع بعدل ومساواة وحياد، ان الهيئة المستقلة للانتخاب في جوهر فلسفتها تشبه ميزان العدالة حين يقف مستقيما لا يميل مع رغبة ولا يهتز امام ضغط ولا يتغير بتغير الاسماء وفي زمن تزدحم فيه الاصوات وتتداخل فيه المصالح تصبح قيمة المؤسسة اكبر حين تستطيع ان تقول للجميع ان الطريق واحد والقانون واحد والفرصة واحدة والحق واحد وهذا هو المعنى العميق للديمقراطية حين تتحول من فكرة في الكتب الى سلوك في الواقع ومن شعار في الخطابات الى ثقافة في المؤسسات لقد ادركت خلال تجربتي معها ان العمل الانتخابي ليس معركة بين اشخاص بقدر ما هو معركة مع الفوضى والانحياز والشك وان النجاح الحقيقي لا يكون بفوز طرف على طرف بل بانتصار ثقة المواطن بالمؤسسة وانتصار القانون على الاستثناء وانتصار العدالة على الهوى وحين تنجح المؤسسة في ذلك فانها لا تدير انتخابات فقط بل تصنع وعيا جديدا وتبني جسرا بين المواطن والدولة وتمنح المجتمع شيئا اغلى من النتيجة نفسها وهو الاطمئنان الى ان صوته لم يكن وحيدا بل كان محميا بقانون ومؤسسة ورجال ونساء يؤمنون برسالتهم ولعل اجمل ما في التجربة ان الانسان حين يعمل في بيئة تقوم على الحياد يتعلم ان الاختلاف لا يعني الخصومة وان التنافس لا يعني العداء وان احترام الاخر لا ينتقص من حقك وان العدالة لا تحتاج الى ضجيج كي تثبت حضورها فالعدل يمشي بهدوء لكنه يصل دائما والنزاهة قد لا تصنع ضجة لكنها تصنع تاريخا والشفافية قد تكشف الطريق لكنها في النهاية تمنح الناس الطمأنينةومن هنا فانني لا اكتب عن الهيئة المستقلة للانتخاب اليوم باعتبارها مؤسسة عملت معها فحسب بل اكتب عنها باعتبارها تجربة وطنية تركت في نفسي اثرا عميقا لقد كنت واحدا من الذين وقفوا في مواقع مختلفة داخل عدد من اللجان ورأيت كيف يمكن للتفاصيل الصغيرة ان تصنع صورة الوطن وكيف يمكن لقرار عادل في لحظة محددة ان يحفظ ثقة انسان وكيف يمكن لموظف ملتزم بتعليمات القانون ان يكون في حقيقة الامر شريكا في حماية قيمة وطنية كبرىان الوطن لا يبنى فقط بالطرق والجسور والمباني بل يبنى ايضا بالثقة وبالعدل وبالمؤسسات التي يشعر المواطن امامها انه متساو مع غيره وان القانون لا يعرف الاسماء وان الكفاءة مقدمة على الواسطة وان الحق لا يحتاج الى واسطة كي يصل وحين تصبح هذه القيم جزءا من الوعي المؤسسي فاننا نكون قد انتقلنا من بناء الدولة في صورتها المادية الى بناء الدولة في صورتها الاخلاقية والانسانيةولذلك فانني ارى ان شعار النزاهة والشفافية والحياد الذي تحمله الهيئة ليس مجرد عنوان مؤسسي بل قاعدة حياة يمكن ان يتعلم منها كل انسان وكل مؤسسة وكل مسؤول كن نزيها حين لا يراك احد وشفافا حين تستطيع ان تخفي وكن عادلا حين يكون بوسعك ان تميل فالاخلاق لا تختبر حين تكون الطريق سهلة وانما تختبر حين يصبح الانحراف اسهل من الاستقامةواقول انا: ان اعظم الانتصارات ليست تلك التي نرفع فيها الرايات فوق رؤوسنا بل تلك التي نغادرها وضمائرنا مرفوعة وان المؤسسات العظيمة لا تقاس فقط بما انجزته في السجلات بل بما زرعته في نفوس الناس من ثقة وطمأنينة واحترام وما رأيته في الهيئة المستقلة للانتخاب من حرص على النزاهة والحياد والمساواة يجعلني اؤمن اكثر ان الاردن حين يبني مؤسساته على الوعي والقانون والضمير يستطيع ان يمضي بثبات نحو المستقبلوفي نهاية هذه الرحلة اقول لكل من حمل مسؤولية في هذه المؤسسة ولكل رئيس ومفوض وامين عام ومدير وموظف وعضو لجنة ورجل ميدان وكل يد امتدت لتنجز وكل عين سهرت لتراقب وكل عقل خطط وكل قلب اخلص انتم لا تديرون صناديق انتخاب فقط بل تحرسون فكرة الوطن حين يختبر نفسه امام ارادة ابنائه وانتم لا تحافظون على اجراءات انتخابية فحسب بل تحافظون على معنى اكبر هو ان يكون للانسان صوت وان تكون للصوت حرمة وان يكون للقانون كلمة وان تكون للعدالة راية لا تنحنيوفي معركة بناء الدولة لا يحتاج الوطن الى ضجيج المنتصرين بقدر ما يحتاج الى ثبات المخلصين ولا يحتاج الى كثرة الشعارات بقدر ما يحتاج الى رجال ونساء يجعلون من النزاهة سلوكا ومن الشفافية نهجا ومن الحياد شرفا ومن العدل ميزانا ومن العمل عطاء ومن المسؤولية امانةهذه هي المعركة الحقيقية معركة ان نبقى اوفياء لفكرة الوطن حين تختبرنا التفاصيل وان ننتصر للحق حين يغوينا الميل وان نحافظ على اتزاننا حين تتكاثر الاصوات وفي هذه المعركة ستبقى المؤسسات التي تحرس ثقة الناس وتؤمن بسيادة القانون علامات مضيئة في مسيرة الاردن وستبقى الهيئة المستقلة للانتخاب واحدة من تلك العلامات التي تقول لنا ان المستقبل لا يصنعه الصخب بل تصنعه النزاهة ولا تحميه القوة وحدها بل يحميه العدل ولا يبقى في ذاكرة الوطن الا من ترك وراءه اثرا نظيفا يشبههولانني تشرفت بالعمل معكم في محطات ولجان عدة ورأيت ما رأيت بعيني لا من بعيد ولا من وراء الكلمات فان شهادتي هنا ليست مجاملة عابرة بل امتنان لتجربة علمتني ان الحياد قوة وان النزاهة شجاعة وان العدالة اجمل صورة يمكن ان تقدمها مؤسسة لوطنهافلكم جميعا في الهيئة المستقلة للانتخاب رئيسا ومفوضين وامينا عاما ومديرين وموظفين ولجانا كل التقدير والاحترام ولكم من القلب امتنان يليق بحجم ما تحملون من مسؤولية وطنية سائلا الله ان يبارك جهودكم وان يكتب لكم السداد والتوفيق وان تبقى راية النزاهة والشفافية والحياد عالية وان يظل الاردن وطنا للثقة والوعي والعدل والامل