أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المغطس ٢٠٣٠: فرصة تاريخية لا تحتمل المجاملات


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

المغطس ٢٠٣٠: فرصة تاريخية لا تحتمل المجاملات

مدار الساعة ـ

يمتلك الأردن إرثاً دينياً استثنائياً، ومن حقه أن يحتل موقعاً متقدماً على خريطة الحج والسياحة الدينية في العالم. ومع الاستعداد لإحياء الذكرى الألفية الثانية للمعمودية عام ٢٠٣٠ في موقع المغطس، وما يرتبط بها من تطوير للمرافق والخدمات واستقطاب للحجاج من مختلف أنحاء العالم، نحن أمام فرصة سياحية واستثمارية عظيمة، تستحق عملاً بحجمها. ولهذا تحديداً، لا مجال للمجاملة في تقييم الجاهزية والنتائج. نحتاج إلى إجابات واضحة: كم زائراً استقطبنا؟ وما العائد الذي تحقق؟ وكيف سنصل إلى الأعداد المأمولة؟ قيمة المكان ترفع سقف المسؤولية، وقدسية المناسبة لا تجعل الأداء فوق النقاش.

بحسب بيانات أولية لوزارة السياحة نقلتها وسائل الإعلام، بلغ عدد زوار المغطس خلال الأشهر السبعة الأولى من عام ٢٠٢٦ نحو ٤٦٬٣٢١ زائراً، بينهم ٣٩٬٨٠٥ أجانب و٦٬٥١٦ أردنيين، مقابل ٥٦٬٠٦٩ زائراً خلال الفترة نفسها من عام ٢٠٢٥، بانخفاض نسبته ١٧٫٤٪. وهذه أرقام تخص المغطس وحده، ولا تمثل إجمالي السياحة الدينية في المملكة. لكنها تفرض مراجعة جادة لحجم الحركة الفعلية، وللمسافة التي تفصل الواقع عن الطموحات المعلنة.

وفي تقديري، تكمن إحدى المشكلات في قوة الخطاب السياحي داخلياً وضعف وصوله وتأثيره دولياً. نحن بحاجة إلى أن نعرف مدى حضور الأردن في برامج منظمي الحج، ولدى الكنائس والمؤسسات السياحية في الأسواق المستهدفة. كثافة التغطية المحلية لا تقيس هذا الحضور. قد ننجح في إقناع أنفسنا بأهمية ما نملك، بينما يبقى المسافر في الخارج غير مطّلع على التجربة، أو عاجزاً عن العثور على برنامج واضح ومنافس لحجزها. النجاح يبدأ حين يتحول الخطاب إلى قرار سفر.

وهنا تأتي كلفة الوصول إلى الأردن. أسعار تذاكر الملكية الأردنية تستحق مراجعة جدية؛ فالأسعار التي تبدو للمسافر خيالية قد تُضعف أثر أي حملة ترويجية، خصوصاً حين يحسب كلفة سفر عائلة أو مجموعة كاملة. المطلوب مقارنة معلنة للأسعار على الخطوط والمواسم المستهدفة، واتفاقيات عملية لرحلات المجموعات والحج، وربط الترويج بعروض قابلة للحجز. لا يكفي أن ندعو الناس إلى الزيارة ثم نترك كلفة الوصول تهدم جاذبية العرض. الناقل الوطني شريك أساسي في إنجاح هذه الفرصة، وتسعير الرحلة جزء من تنافسية الوجهة بأكملها.

أما البهرجة المحلية، فيجب أن تخضع لسؤال مباشر: ماذا أضافت؟ ما قيمة فعالية ينتهي أثرها عند آخر صورة منشورة؟ وما جدوى تكرار الكلمات أمام الجمهور نفسه إذا لم تتوسع الأسواق ولم تظهر حجوزات جديدة؟ أي نشاط ترويجي يجب أن تكون له غاية محددة ونتيجة قابلة للقياس. حجم الحضور، وعدد الاجتماعات، واتساع التغطية الإعلامية مؤشرات نشاط، ولا تكفي وحدها لإثبات النجاح الاقتصادي.

ولا نحتاج، أمام هذه الفرصة، إلى مجاملات داخلية أو توزيع للأدوار يراعي الحساسيات على حساب الكفاءة. نحتاج إلى عمل جدي يحدد النتائج المتوقعة، والمدة اللازمة، والكلفة، والجهة المسؤولة. هذا شأن وطني أردني، يقتضي منظومة متكاملة تتجاوز الأفراد ونفوذهم المحلي. القدرة على الوصول إلى السوق الدولية وإبرام شراكات منتجة يجب أن تكون أساس إسناد المسؤولية. ومن يتولى مهمة عليه أن يقبل تقييم أدائه، وتصحيح مساره، ومساءلته عن النتائج.

هذه المنظومة تبدأ بالتنسيق الفعلي بين السياحة والطيران والمطارات والنقل والفنادق والمواقع الدينية والجهات المنظمة للحج. فالزائر يشتري تجربة كاملة، تتأثر بالتأشيرة وسعر التذكرة وسهولة الحجز وجودة الإقامة والتنقل والخدمات. خلل واحد قد يبدد جهد جهات عديدة. ولهذا نحتاج إلى مسؤوليات مترابطة وإدارة تنفيذية واضحة، تمنع تشتت القرار وتبادل الأعذار.

ومن الإنصاف الإقرار بالخطوات التنفيذية المعلنة. فقد نشرت رئاسة الوزراء تفاصيل حزمة مشاريع في الأراضي المجاورة للمغطس بكلفة إجمالية تقارب ١٢٠ مليون دولار، تشمل المتحف وقرية الحجاج والزوار والبنية التحتية والممر الأخضر. هذه كلفة معلنة، ولا تعني أن المبلغ صُرف بالفعل. لكنها تستوجب وضوحاً بشأن الطلب المتوقع، والتمويل والتشغيل، والعائد، والبدائل إذا جاءت أعداد الزوار دون التقديرات.

ولا يصح تحميل المنظومة مسؤولية كل تراجع، فالظروف الإقليمية تؤثر في السفر. لكن إدارتها تقتضي سيناريوهات واقعية وأهدافاً سنوية منشورة: أعداد الزوار المستهدفين من كل سوق، والحجوزات المتحققة، ومتوسط الإقامة والإنفاق، وفرص العمل، وحصة المجتمعات المحلية من العائد. بهذه المؤشرات يمكن تقييم الأداء وتعديل الإنفاق والبرامج.

الأردن أمام فرصة لا تحتمل إضاعة الوقت في إرضاء الداخل بينما نحتاج إلى كسب الأسواق الخارجية. لا داعي للمجاملة عندما تكون المصلحة وطنية بهذا الحجم. المطلوب أن تعمل المؤسسات كمنظومة واحدة، وأن تصبح النتائج أساس التقييم. عام ٢٠٣٠ يقترب، والامتحان سيكون في الزوار الذين يصلون، والليالي التي يقيمونها، والعمل الذي يتولد للأردنيين، والأثر الذي يستمر بعد انتهاء المناسبة.

مدار الساعة ـ